-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
انتقادات فلسطينية ومخاوف مستقبلية

الخطة الأمريكية لإعمار غزة… تنمية مشروطة تعيد تشكيل الجغرافيا والاقتصاد

الخطة الأمريكية لإعمار غزة… تنمية مشروطة تعيد تشكيل الجغرافيا والاقتصاد
ح.م

قالت دراسة اقتصادية تحليلية أعدّها الباحث أ. خالد أبو عامر، وصدرَت عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، إن الخطة الأمريكية لإعادة إعمار قطاع غزة، التي طُرحت خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، لا يمكن فصلها عن سياقها السياسي والأمني، إذ تُقدَّم بوصفها مشروعًا تنمويًا طويل الأمد، لكنه في جوهرها تحمل اشتراطات قد تعيد إنتاج التبعية الاقتصادية والهشاشة السياسية.
وأوضحت الدراسة أن الخطة عُرضت لأول مرة من طرف جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي السابق، في إطار إطلاق ما سُمّي بـ«مجلس السلام»، الذي يُفترض أن يشرف على تنفيذها خلال السنوات القادمة.

رؤية تنموية أم إعادة إنتاج لنموذج مشروط؟

بيّنت الورقة أن الخطة الأمريكية تُسوَّق على أنها رؤية شاملة تمتد لأكثر من عشرين عامًا، وتهدف إلى تحويل غزة إلى مركز اقتصادي حديث وجاذب للاستثمار، عبر تطوير البنية التحتية، وإعادة بناء المدن، ورفع مستوى الدخل، وخلق فرص عمل واسعة في القطاعين العام والخاص.
غير أن الدراسة تساءلت عمّا إذا كانت هذه الرؤية تمثل مسارًا واقعيًا لإعادة إعمار غزة وتنميتها، أم أنها تعيد إنتاج نموذج «التنمية المشروطة» التي تربط الإعمار بالاستقرار الأمني والامتثال السياسي، بدل ربطه بحقوق السكان واحتياجاتهم الفعلية.

مراحل الإعمار: تدرّج زمني يحمل أبعادًا سياسية

أوضحت الدراسة أن الخطة تقوم على خارطة طريق تمتد لأكثر من عقدين، تبدأ بمرحلة إغاثة إنسانية، ثم إزالة الأنقاض، فالبناء التدريجي وفق تسلسل جغرافي يبدأ من جنوب القطاع ويتجه شمالًا.
وبيّنت أن المرحلة الأولى تركز على مدينة رفح، التي تُقدَّم بوصفها المركز الإداري المستقبلي للقطاع، وتشمل بناء نحو 100 ألف وحدة سكنية، ومئات المدارس والمرافق الصحية والثقافية. واعتبرت الدراسة أن اختيار رفح كنقطة انطلاق لا يقتصر على اعتبارات فنية، بل يحمل دلالات سياسية وجغرافية مرتبطة بالحدود ومعبر رفح، وقد يفتح الباب أمام إعادة توزيع سكاني جديدة.
وأضافت الورقة أن تأجيل إعادة إعمار مدينة غزة وشمال القطاع إلى المرحلة الأخيرة يثير تساؤلات حول إعادة ترتيب الأولويات الجغرافية والسياسية، خاصة أن مدينة غزة تمثل القلب السكاني والاقتصادي للقطاع.

من إعادة الإعمار إلى إعادة التنمية
أشارت الدراسة إلى أن الخطة لا تكتفي بإعادة بناء ما دمرته الحرب، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الحيز العمراني والاقتصادي عبر:
مشاريع إسكان جديدة بدل ترميم الأحياء المدمرة، ما يثير إشكاليات الملكية والانتماء المكاني.
إنشاء مدارس ومراكز صحية وثقافية دون تصور واضح لإدارتها أو دمجها في الأنظمة القائمة.
شبكات نقل وطرق رئيسية تبقى فعاليتها مرهونة بحرية الحركة ورفع القيود.
ميناء ومطار جديدان وسط غياب ضمانات للسيادة الفلسطينية على إدارتهما.
مشاريع عمرانية فاخرة مثل الأبراج الشاهقة والمدن السياحية، على غرار نماذج دبي وسنغافورة.
ورأت الدراسة أن هذا التوجه يعكس انتقالًا من منطق «إعادة الإعمار» إلى «إعادة التنمية»، لكن وفق نموذج استثماري قد لا ينسجم مع واقع قطاع محاصر وهش اقتصاديًا.

التمويل: الحلقة الأضعف في الخطة

أوضحت الورقة أن التكلفة الإجمالية للخطة تُقدَّر بنحو 112 مليار دولار خلال عشر سنوات، لكنها تعاني من غموض كبير في مصادر التمويل وآلياته. وذكرت أن التصور الأمريكي يمزج بين المنح، والقروض، وضمانات الديون، مع إشراك مؤسسات مالية دولية ومستثمرين من القطاع الخاص.
وحذّرت الدراسة من أن الاعتماد على القروض ونماذج التمويل الربحي في اقتصاد غير سيادي كاقتصاد غزة قد يحوّل الإعمار إلى عبء مالي طويل الأمد، ويعمّق التبعية بدل تحقيق التعافي.
كما أشارت إلى وجود فجوة واضحة بين التقديرات الأمريكية وتقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي، التي تقدر كلفة إعادة الإعمار الأساسية فقط بين 50 و70 مليار دولار.

النتائج الاقتصادية الموعودة: طموح غير واقعي؟

قالت الدراسة إن الخطة تستهدف رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 10 مليارات دولار سنويًا، وخلق نحو 500 ألف فرصة عمل، وخفض البطالة إلى الصفر، ورفع دخل الفرد إلى 13 ألف دولار بحلول عام 2035.
غير أنها اعتبرت هذه الأهداف شديدة التفاؤل، لأنها تفترض استقرارًا سياسيًا وأمنيًا كاملًا، واستثمارات ضخمة ومستدامة، وحرية حركة وتجارة غير مقيّدة، وهي شروط غير متوفرة في الواقع الحالي.

الشروط السياسية والأمنية: الإعمار كأداة ضغط

أبرزت الدراسة أن الخطة مشروطة بعدة متطلبات سياسية وأمنية، في مقدمتها نزع سلاح حركة حماس، وتوسيع وقف إطلاق النار، وإشراف دولي على عملية الإعمار.
واعتبرت أن هذه الشروط تحوّل الإعمار من حق إنساني إلى أداة ضغط سياسي، وتربط التنمية بالامتثال الأمني، ما يجعل نجاح الخطة أو فشلها رهينًا بعوامل خارج السيطرة الفلسطينية.
سجّلت الدراسة انتقادات فلسطينية واسعة للخطة، أبرزها غياب المشاركة الفلسطينية في إعدادها، وعدم معالجة قضايا الأرض والملكية، وضعف الاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة، إضافة إلى مخاطر إعادة هندسة الجغرافيا والاقتصاد بما قد يمس بحقوق السكان.

إعمار بلا سيادة لا يحقق التنمية

خلصت الدراسة إلى أن التمويل وحده لا يكفي لإنجاح الإعمار، وأن غياب السيادة الفلسطينية، وربط الإعمار بشروط سياسية وأمنية، والتركيز على المشاريع الفاخرة، كلها عوامل تهدد بتحويل الخطة إلى مشروع رمزي يعيد إنتاج الهشاشة والتبعية.
وأكدت أن أي إعادة إعمار مستدامة لغزة يجب أن تقوم على رؤية فلسطينية موحدة، تعطي الأولوية للاحتياجات الأساسية، وتدار عبر مؤسسات وطنية مستقلة، وتفصل بين حق الإعمار والاشتراطات السياسية، بما يضمن أن يكون الإعمار مسارًا للصمود والكرامة، لا أداة للضغط والتحكم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!