-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الخطة الخمسية الجديدة: هل يكون المال العام في خدمة الشأن العام؟

بشير مصيطفى
  • 6528
  • 11
الخطة الخمسية الجديدة: هل يكون المال العام في خدمة الشأن العام؟

صادق مجلس الوزراء الاثنين الماضي على الخطة الخمسية المتضمنة الاستثمارات العمومية للفترة 2010 – 2014 وحجمها 286 مليار دولار.

يأتي هذا أياما قليلة قبل تصويت مجلس الأمة على المخطط الوطني لتهيئة الإقليم اليوم الخميس ، وأياما قليلة أخرى قبل انعقاد الاجتماع الخامس لمجلس الشراكة مع الاتحاد الأوربي منتصف جوان القادم. فهل من الصدفة أن تجتمع أحداث مهمة ثلاثة في مضمون التنمية الوطنية في وقت متقارب؟ وماذا يعني أن يبلغ حجم الاستثمارات العمومية لخمس سنوات في بلادنا رقما قياسيا لم يتكرر في تاريخ الجزائر على الاطلاق؟

 

استهداف النمو

يصح أن نطلق على مخطط استثماري عمومي بحجم 286 مليار دولار وصف “الاعمار” عندما يندرج في مسعى النمو ويمس قطاعات متعددة تلتقي في محور واحد هو حفز الطلب الداخلي الكلي. وبالفعل وأمام تراجع دور القطاع الخاص في إنتاج الثروة، وبالتالي في تحقيق الطلب على وسائل الانتاج واليد العاملة والخبرة بالشكل المناسب لأهداف النمو، وأمام تردد الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتراب من السوق الجزائرية خارج دائرة المحروقات ، تقترب الدولة من وظيفة العون الاقتصادي الرئيس في منظومة الطلب، وبالتالي في تحريك الأسواق.

ولا تملك الجزائر -حاليا- منظومة لطلب داخلي متين خارج الاستثمار العمومي، أي بعيدا عن الدور الحكومي في دعم التشغيل والاستثمار والتحويلات الاجتماعية والخدمات العمومية، مدعومة في ذلك بالأسعار المواتية لسوق النفط، وهو المورد الأهم في منظومة الجباية وحجم النقد الأجنبي. وهكذا، لا أحد يكاد يتصور حراكا تنمويا في البلاد دون تدخل مباشر ومعتبر من ميزانية الدولة، ولا مستوى متقدما لنسبة النمو دون انفاق عمومي كبير، والدليل على ذلك ربط معدلات النمو في السنوات العشر الأخيرة بمستوى الانفاق العام، وغالبا ما يصدر صندوق النقد الدولي بياناته عن النمو في الجزائر مباشرة بعد إعلان السلطات عن حجم الاستثمارات العمومية تماما كما فعل الثلاثاء الماضي أي بعد الكشف عن حجم الغلاف المالي للمخطط الخماسي الجديد بأقل من 24 ساعة.

وحسب المؤسسة الدولية فستشهد البلاد نموا مستقرا للفترة القادمة يزيد قليلا عن 4 بالمئة وربما يلامس 5 بالمئة وهو الحد الأدنى من النمو الذي يشترطه الاتحاد الأوربي -الشريك الاستراتيجي للجزائر- للدخول في شراكة استراتيجية تتجاوز عتبة التبادل التجاري، وسيكون النمو المستديم فوق عتبة 5 بالمئة الورقة التي تتجاذبها المباحثات المرتقبة بين الجانبين الجزائري والأوربي في بروكسل  منتصف جوان المقبل.

 

ضريبة اللا توازن في الاقتصاد الكلي

اضطرت السلطات العمومية الى تحمل جزء مهم من تكاليف النمو عن طريق ضخ السيولة في المشاريع الكبرى وفي تمويل آليات الدعم المختلفة وفي تحمل قدر كبير من ديون المؤسسات العمومية والقطاع الفلاحي، وزادت على ذلك أن عوضت الفارق في المطلوب من الاستثمارات الأجنبية المباشرة  والفارق في انتاجية قطاع الشغل الذي يبدو أنه يتكئ على الوظيفة العمومية أكثر مما يعتمد على الوظيفة الانتاجية. وبين الطلب الكلي للسكان على الخدمات العمومية والسلع الأساسية من جهة ومساهمة المنشآت الاقتصادية في توفير تلك السلع والخدمات بالأسعار المناسبة لمتوسط الدخل الفردي يبرز عنصر اللاتوازن الذي مازال يدفع بالخزينة الى تحمل كلفة جديدة نسميها “ضريبة اللاتوازن”، وبالفعل تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الى أقل من واحد مليار دولار سنويا العام 2009، وظل النمو في القطاع الصناعي العمومي يراوح خانة الصفر، أما القطاع الخاص المنشئ للثروة فلا يزال نسيجه المتكون من 300 ألف مؤسسة خاصة يعاني من صعوبات المنافسة والمواصفات. فقط هو القطاع الفلاحي الذي أبدى بعض الاستجابة لمحدد النمو ثم قطاع الأشغال العمومية والبناء  الذي مازال يعكس طلبا داخليا  حقيقيا وأخيرا القطاع التجاري الذي استفاد كثيرا من مزايا التجارة الخارجية، وربما لهذا السبب رأت السلطات العمومية أن تخصص للقطاعين المتقدمين غلافا مهما في الخمسية القادمة يزيد قليلا عن 33 مليار دولار.

 

على خطى المدرسة الكينزي، ولكن…

تشهد الساحات الاقتصادية الكبرى في العالم تحولا مدروسا في اقتصاديات السوق نحو تدخل أوسع للحكومات بدرجات متفاوتة، ففي حين يبرز النموذج الأمريكي تدخلا حكوميا مقننا في السوق المالية منذ مصادقة مجلس الشيوخ الأسبوعي الماضي على خطة الرئيس الأمريكي بهذا الشأن، هاهي الحكومة البريطانية الجديدة ترفع شعار التقشف في الميزانية وتدعو الوزراء الى مشاركة المواطنين في استخدام النقل العام بدل السيارات الحكومية والتنازل عن رحلات الدرجة الأولى لصالح حقيبة الخزانة، وقبل القرار البريطاني كان القرار الألماني الذي يفيد بحجب أية مساعدة من الاتحاد الأوربي للدول التي تمر بصعوبات في الميزانية مالم تبد تلك الدول إشارات على تحكم حكوماتها في الانفاق العام، كان ذلك على خلفية الأزمة اليونانية التي زادت من حدتها السياسات المبنية على قرارات السوق وحدها.

.. وهكذا يبدو أن الساحات الاقتصادية  الكبرى في العالم تتبع خطوات المدرسة الكينزية من جديد ولو بدرجات متفاوتة. ولعل النموذج الجزائري يبرز لنا أقوى مؤشر على تتبع تلك الخطوات من خلال الحضور القوي للانفاق العام في تحقيق النمو. تتبع إيجابي من زاوية نظر استهداف التوازن ولكن على شرط أن يتجاوز النمو السنوي سقف 5 بالمئة وإلا تحولت السيولة في الاقتصاد الى رافع لمعدل التضخم، وبالتالي كابح للطلب الداخلي، الطلب الحكومي وحده لا يكفي لضمان النمو لأنه مقيد بمشاريع  وآجال محددة، وطلب العائلات والمؤسسات المنتجة وحده هو الضامن الوفي لاستدامة النمو ولكنه هو الآخر مقيد في منظومة التوزيع الجزائرية بانخفاض متوسط الدخل المتاح للشريحة الأكثر استهلاكا أي الموظفون وذوو الدخل المحدود ومنعدمو الدخل، وهو ما يدعو الى استكمال الفكرة الكينزية بحفز طلب العائلات أي بإعادة النظر في توزيع المداخيل بين أجور الأجراء وأرباح الشركات والرسوم على الثروة والعقار، جانب ضعيف الأثر في الخطة الخمسية الجديدة .

 

تغيير حكومي في مستوى الخطة الخمسية

استثمارات عمومية بالرقم الذي تضمنته الخطة الخمسية والذي يذكرنا بخطة “بلسون” لانقاذ أمريكا نهاية العام 2008  وبخطة الاتحاد الأوربي لانقاذ اليونان بداية هذا الشهر ربما تتطلب طاقة تنفيذ عالية في مستوى الأهداف المعلنة على مسارات التنمية البشرية وإطلاق المؤسسة الانتاجية وتنفيذ خطة تهيئة الإقليم. طاقة تدير المال العام بخبرة عالية، تنجز المخططات في الوقت المحدد دون اللجوء الى ميزانيات تكميلية، تتحكم في دراسات الانجاز دون اللجوء الى تكاليف إضافية، وأخيرا طاقة تسمح بتفعيل التنفيذ على خطى الخطاب السياسي الذي يبدو للوهلة الأولى أنه مدهش وقوي ومندد بالفساد ومبشر بالشفافية.

ربما نحتاج الى طاقم حكومي أكثر انسجاما والى هيكلة حكومية أكثر تحكما في فعالية القرار الاقتصادي، والى وزراء جدد من الجيل الذي يؤمن بالمبادرة، ولا يعني ذلك أنه جيل فوق الأخطاء ولكن أخطاءه لا تصل الى حدود هدم التوجهاتالاستراتيجية للخطاب الرسمي للدولة، وباختصار ربما نحتاج لحكومة في مستوى خطة خمسية حجمها 286 مليار دولار و تتضمن مفردات أولى لأول استراتيجية من نوعها ستعرفها الجزائر على آفاق العام 2025 اسمها “خطة تهيئة الإقليم” . 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
11
  • منصور تسمسيلت

    دائما و ابدا اقول و اكرر
    عندم تفقد السلطة التشريعية مصدقيتها من الرقيب من يقول هدا يجوز و هدا لا يجوز
    مدام رؤس الفساد تحتل كل السلطة التشرعية حتما هده هي النتيجة
    يجب ان يكون حزب حقيقي يتكون من الشعب
    ولكن لا شعب يعترض ولا ينتفض
    ايها الصحفي الكريم لمن تكتب تتعب نفسك
    هدا الشعب ميت و يخاف من الموت
    لو اتيت بمحللين العالم لن يجد شفرة شعب ميت و يخاف من الموت

  • Salim

    J’ai bien aimé les interventions précédentes de chers lectures, ça prouve que les algériens ne sont pas de tout contant de ces plans d’investissements de point de vue des sommes colossaux qui ont été attribues aux différents secteurs, c’est vrais que ça donne de l’exultation ; mais à mon avis il faudrait – et c’et très important- réactiver le contrôle comptable de tous les investissements qui ont été effectués à ce jour, je me demande pour quelle raison cet assemblé a été retiré ? je vous assures chers lectures que vous allez être choqués si on dit la vérité de tout l’argent qui a été malversé ça et la.
    Des milliards de dollars ont été injectés à l’économie nationale depuis des années, mais l’algérien reste toujours impuissant devant la cherté de la vie, Alors pourquoi ne pas chercher d’autres solutions.

  • احسن يوسف

    اي إقتصاد تتحدث يا سيدي هل تقصد قتصد ماليزا ام دبي ام اي دولة اخي تحترم شعبها ام تتحدث سيدي المحترم علي قتصاد سعيد بوتفليقة وجماعتو من حمروش في البور الي ديكتشني في وهرن لنتنهض البلاد مادام فيها (........) هما لراهم شادين البلاد هدا رئي احترمك دكتور

  • nadir

    برافو عليك يا سيدي ، دعوت لتغيير حكومي في مقالك هذا وهاهو يحدث في أقل من 24 ساعة ولهذا من غير الغريب أت تتحقق التوقعات عندما تكون علمية وشكرا للشروق التي سمحت بنشر هذا المقال الموفق

  • زوالي طامع في العالي

    ايه هادو يقننو لخماسية نتاع سرقة ونهب لاموال الامة اية الله يكون في عوننا .ضرك مازال يبقاو يسرقو فينا لمدة 5 سنوات اخرى باسم القانون. و لله هادو كروشهم كبيرة بزاف ميشبعوش يعطيلهم فيها كاش موصيبه...

  • nabil

    t93ad rir dolatna manamanhach hato homa haramiya walah

  • براضية عمر

    =========================================
    أموال بهذه الضخامة لو وقعت في أيدي صينية أو يابانية فإنها تقلب بها الدنيا، لكن مادام ستقع في جيل الثورة فإنها ستتحول إلى جيل الثروة.
    لا نتكلم بتشاؤم، لكن الواقع هو الذي يتكلم، وجعلنا نيأس من أي حلول تأتي من هؤلاء المبيّضين.
    المهم
    لو حقيقة نريد حلولا، فأنا أعطي مثالا بسيطا وواقعا في كل أصقاع العالم المتقدم.
    لو تريد بلادنا صنع تلفاز فقط، فإننا نحتاج إلى 30 أو 40 مؤسسة مصغرة أو متوسطة:
    مؤسسة تصنع الزجاج توظف 100 بطال
    مؤسسة تصنع البلاستيك توظف 50 بطالا
    مؤسسة تصنع الدوائر الالكترونية توظف 20 مهندسا
    مؤسسة تصنع الأسلاك توظف 50 بطالا
    مؤسسة توزيع وتغليف توظف 100 بطال
    مؤسسة برمجة وتصميم توظف 50 مهندسا
    مؤسسات كثيرة مختصة في صنع كل مركب (ديود، مقاومة، مكثفة....)توظف 1000 بطال
    يعني لصنع تلفزة مثلا، نوظف آلاف العمال بدل عقلية منحة البطالة أو نسميه منحة البطاطا، نستثمر اموالنا في قطاع صناعي منتج وغير مكلف، ننوع مصادر دخلنا، نتحرر من التبعية، ونخرج من مجال الدول المتخلفة الريعية إلى النامية حقيقة.
    مثال بسيط، تليه المئات من الأمثلة في مختلف قطاعات الصناعة، لكن هل جيل الثروة يفكر بهذا المنطق؟ أبدا.
    الحل بأيدي الحكومة، ليس بضخ الأموال اعتباطا، وإنما ضخها في قنوات محمية ومضمونة، أما أن تبذر على صفقات مشبوهة واختلاسات بالجملة، فالأولى إبقاءها لأجيال المستقبل التي لن تجد البترول والغاز لتساوم بهما كما نجد الآن.
    يا جيل الثروة فكروا في الجيل القادم، واعلموا أنها أيام معدودات وكلنا سنلتقي عند العليم العادل، وعندها لا تنفع لا شعارات ولا حجج.
    =======================================

  • علي.ط

    خطة خماسية للتنمية تدكرنا بتلك الممخططات التي شهدتها الجزاير في سنوات السبعينات و التي حققت نموا اقتصاديا معتبرا لكن هده المرة في غياب وزارة التخطيط والرقابة الصارمة والمتابعة الدايمة للمتدخلين الاقتصاديينمن طرف الجهاز الحكومي. ان التنمية الحقيقيةهي تؤدي الي تحسين والرفع من المستوى المعيشي للافراد عن طريق الاستتمارات المنتجة التي تحقق الوفرة الاقتصادية وتقضى على البطالة.

  • ملاحظ

    ان الاعتماد الكلي على الانفاق العام في الجزائر , يطرح السؤال التالي: ما مدى نجاح قانون الاستثمار وبرامج الاستثمار المحلي والاجنبي؟
    ان المتتبع يلاحظ وبشكل واضح ان المستثمرين المحليين تحولوا وبالجملة الى مستوردين جريا وراء الربح السريع , ولو على حساب الاقتصاد الوطني , وصحة المواطن عن طريق السلع المغشوشة القادمة معضمها من الصين ودول اسيوية اخرى.
    اما الاستثمار الاجنبي فقد ركز على قطاع المحروقات وقطاع الخدمات وبعض المشاريع في قطاع الاشغال , هذه الاستثمارات وان كانت تمتص نسبة من البطالة الا انها لا تساهم في تنمية وتنويع مصادر الثروة الوطنية بشكل فعال , ذلك لأ ن آليات الإستثمار لم ترق الى المستوى المطلوب وبقيت تراوح مكانها فهي تصطدم دائما بالبيروقراطية الادارية والجشع الاداري الذي يقف حجر عثرة امام سير وتطبيق الكثير من القوانين ,ضف الى ذلك ضعف الجهاز الرقابي
    الفعال والذي يجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار في كل القطاعات
    وبصورة خاصة الرقابة على الادارة , اذا انتقلنا من التسيير الاداري الى التسيير الاقتصادي الذي يضع مصلحة الوطن على رأس هرم المصالح فسوف يكون المال العام في خدمة الشأن العام , أما اذا بقينا
    بنفس الآليات والعقليا ت فلن يكون المال العام في خدمة الشان العام , وسوف نسمع عن فساد جديد وتبديد جديد للمال العام الذي يعتبره كثيرمن المسؤولين مالا خاصا.

  • ادم الجزائري

    سبحان الله

    لا يوجد اي تعليقات على المقالات الاقتصادية و كأن الشعب الجزائري يعيش في رفاهية.

  • عبد المولى

    لن تكون هناك تنمية ولو بملايير الدنيا طالما أن التنمية البشرية الحقيقية غائبة عن واقعنا من القمة الى القاعدة.انما كان الاولى الحفاظ على ثروة الاجيال وذلك بترشيد استثمارها في مشاريع اقتصادية ,اجتماعية وعلمية ذات هدف استراتيجي وفي منأى عن لصوص المال العام الذين أصبحت لهم صولات وجولات دون أي خوف أو خجل أو توقف.