الرأي

الخوف السائل… زمن الهواجس التي لا تنتهي

يمتد هذا المقال كحلقة جديدة في السلسلة التي كتبتها حول كتب زيغمونت باومان عن عالم “السوائل”؛ فبعد أن توقفت عند الحداثة السائلة، والحب السائل، والحياة السائلة، أجدني اليوم أمام فصل آخر لا يقل خطورة ولا كثافة، فصل يتحدث عن الخوف، ذلك الرفيق الخفي الذي صار يسكن تفاصيل أيامنا، ويتحول من شعور عابر إلى حالة وجودية عامة تطبع عصرنا وتحدد إيقاع حياتنا.

يرى باومان أنّ الخوف لم يكن في الماضي كما هو اليوم، فقد كان حينها محدد الملامح، معروف المصدر، يمكن تسميته ومواجهته حتى وإن لم يكن القضاء عليه ممكنا بالكامل، فالحروب كان لها أعداء واضحون، والأوبئة كان لها أسماء وأعراض، أما الآن، وفي قلب ما يسميه المفكر البولندي “الحداثة السائلة”، أصبح الخوف متشظيا بلا شكل، عابرا للحدود، يتسرب من كل ثغرة، ويطل علينا في كل صباح بوجه جديد لا نعرفه ولا نملك أمامه إلا الترقب، حتى صار الناس يخافون من احتمالات أكثر مما يخافون من وقائع، ومن ظلال أكثر مما يخافون من أجساد.

وإذا كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 قد أطلقت شرارة خوف عالمي جعلت المطارات تتحول إلى حصون، والشوارع إلى فضاءات مرصودة بكاميرات المراقبة، فإنّ جائحة كورونا جاءت لتكشف عمق التحول، إذ لم يعد الخوف مقتصرا على المرض ذاته، وإنما امتد ليشمل تفاصيل الحياة اليومية، فالعزلة الاجتماعية طالت الجميع، والمدارس توقفت، والأعمال الصغيرة انهارت، وأصبح مجرد المصافحة أو التنفس بجوار شخص آخر يحمل معنى وجوديا مقلقا، وكأننا دخلنا جميعا في تجربة تعكس ما وصفه باومان بدقة: خوف سائل يتغلغل في تفاصيل العيش، ولا يترك مجالا آمنا يمكن الالتجاء إليه.

غير أن هذا الخوف لا يظهر فقط في الأزمات الكبرى، وإنما يتجلى كذلك في صور أكثر حميمية حين ننظر إلى حياة الأسر، فالأولياء الذين يصحبون أبناءهم إلى المدارس ثم يقفون ينتظرونهم عند الأبواب يختصرون في وقفتهم تلك حجم قلق ينهش قلوبهم، خوف من اختطاف صار حاضرا في نشرات الأخبار والجرائد وفي مواقع التواصل، وهاجس من مخدرات وسموم تنتشر في الأحياء والمحيطات، وقلق من عالم يزداد خطورة على الطفولة البريئة. وكذلك داخل مؤسسة الزواج، يتسرب الخوف بأشكال أخرى، فالزوجة تخشى أن يستبدلها زوجها بأخرى، والزوج بدوره قد يعيش خوفا خفيا من خيانة تهدم البيت، وما يفاقم هذا كله أنّ وسائل التواصل الاجتماعي جعلت العلاقات أكثر هشاشة، والغيرة أكثر حدّة، والخيال أكثر اتساعا، حتى تحولت الهواتف المحمولة إلى منافذ يدخل منها الخوف إلى كل غرفة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أصبح الأولياء يخافون من الصداقات التي يبنيها أبناؤهم عبر المنصات الرقمية، ومن البرامج التي يتابعونها في الخفاء، وكأن العالم الافتراضي، الذي كان يُفترض أن يفتح نوافذ جديدة للمعرفة والتواصل، قد تحول إلى مصدر آخر للهواجس التي لا تنتهي.

في كل ذلك، يتجلى تحليل باومان حين يستعير صورة الماء ليصف الخوف، فهو لا يأتي دفعة واحدة، ولا يطل بوجه صريح يمكن مقارعته، وإنما يتسرب كما يتسرب الماء في شقوق الجدران، لا نراه مباشرة، ولكننا نلمس آثاره في كل زاوية من زوايا حياتنا، وهذا ما يجعل الخوف السائل مختلفا عن الخوف الصلب الذي كان يمكن مواجهته بالسلاح أو بالقانون.

ومع أن الإعلام والسياسة يجدان في هذا المناخ مادة مثالية لإدامة حضورهما، حيث تتغذى الأخبار على الإثارة وتُبرر السلطة قراراتها بالحديث عن “الخطر”، إلا أن باومان لا يقف عند حدود التشخيص، ولكن يلمح إلى أن إدراك طبيعة هذا الخوف السائل يمنحنا وعيا مختلفا في التعامل معه، فالمطلوب ليس البحث عن عدو نعلّق عليه كل قلقنا، وإنما إعادة بناء روابط التضامن التي تجعل المجهول أقل قسوة، والتجربة الفردية أقل عزلة، لأن الخوف حين يُحمل جماعيا يخف وزنه ويصبح أكثر احتمالا.

وفي النهاية، يظل السؤال الذي يطرحه باومان معلقا فوق رؤوسنا: هل يمكن أن نحيا بلا خوف في هذا العصر؟ ربما لا، غير أن الأهم من ذلك أن نتعلم كيف نحيا رغم الخوف، وكيف نحوله من قيد يشلنا إلى باعث يعيدنا إلى إنسانيتنا، إنسانيتنا التي لا تجد الطمأنينة في الأمان المطلق، وإنما في القدرة على أن نصنع مساحات صغيرة من الثقة، ولو هشة وعابرة، وسط هذا العالم الذي يفيض بالهواجس.

مقالات ذات صلة