الرأي

الخيار الصعب للحوار الليبي‮ ‬في‮ ‬الجزائر‮ ‬

يراهن الليبيون على المبادرة الجزائرية للوصول إلى حل بين‮ ‬‭”‬المتقاتلين‮” ‬حول سلطة‮ “‬الفوضى والتدمير‮”‬،‮ ‬وتجنب حرب أهلية بعد أن تحول الثوار إلى أعداء،‮ ‬وكل طرف‮ ‬يستقوي‮ ‬على الآخر بالاستعانة بالأجنبي،‮ ‬فهل‮ ‬يحقق هذا الحوار ما عجزت عنه الأسلحة في‮ ‬الميدان؟ وهل‮ ‬يعيد الثورة إلى مسارها الطبيعي‮ ‬في‮ ‬تغيير الذهنية القبلية والاستبداد بالرأي‮ ‬والاحتكام إلى السلاح؟‮.‬

الدولة الحديثة‮ “‬المستحيلة”؟‮ ‬

ما‮ ‬يقدمه هنري‮ ‬ألفريد كسنجر في‮ ‬كتابه الجديد‮ (‬نظام عالمي‮) ‬من أفكار جديدة تعكس ما‮ ‬يجري‮ ‬حاليا في‮ ‬الوطن العربي‮ ‬إذ‮ ‬يقول‮ “‬تآكلت الدول من الإهمال وتحوّلت إلى صراعات طائفية وعرقية وتفاقمت هذه الصراعات بسبب قوى خارجية‮” ‬مبررا ذلك بأنه‮ “‬منذ صارت أمريكا تقود العالم أصبح العالم دون نظام مستقر‮” ‬ولأول مرة‮ ‬يعترف وزير خارجية أمريكي‮ ‬سابق‮ (‬مؤسس السياسة الواقعية‮) ‬بأن‮ “‬النظام العالمي‮ ‬الجديد سيكون شراكة بين أمريكا والصين‮” ‬منطلقا من فكرة أن‮ “‬الحكمة هزمتها المعلومات وأن الدولة الحديثة تم تفكيكها‮”‬،‮ ‬فهل‮ ‬يمكن لنظام‮ ‬‭”‬جماهيري‮” ‬حكم ليبيا‮ ‬42‮ ‬سنة أن‮ ‬يتحوّل إلى نظام”ديمقراطي‮” ‬يعيد بناء الدولة الليبية من جديد؟

يرى العارفون بالشأن الليبي‮ ‬أن الجزائر هي‮ ‬البلد الوحيد القادر على جمع الليبيين لأسباب تاريخية وأخرى واقعية وهي‮ ‬عدم تدخلها في‮ ‬الشأن الداخلي‮ ‬لدول الجوار،‮ ‬وتجنبها الانحياز لأي‮ ‬طرف،‮ ‬إلى جانب تجربتها في‮ ‬تحقيق‮ “‬المصالحة الوطنية‮” ‬والحوار مع الجماعات الإسلامية المسلّحة‮.‬

يبدو أن الإجماع الدولي‮ ‬على تثمين المبادرة الجزائرية حول ليبيا جاء نتيجة طبيعية لنجاح الحوار بين الفصائل المالية المسلّحة المنعقد في‮ ‬الجزائر،‮ ‬إلاّ‮ ‬أن صعوبة الحوار الليبي‮ ‬تكمن في‮ ‬تدخل بعض دول الجوار لصالح طرف على آخر،‮ ‬إلى جانب وجود برلمانيين وحكومتين وميليشيات تتقاتل في‮ ‬شوارع المدن الكبرى،‮ ‬لكن إعلان بعثة الأمم المتحدة للدعم في‮ ‬ليبيا‮ (‬أونسميل‮) ‬عن تلقي‮ ‬بيرنارد‮ ‬ينو ليون موافقة الفرقاء الليبيين للمشاركة في‮ ‬الحوار بالجزائر واللقاء الذي‮ ‬ترأسه‮ ‬يوم‮ ‬29‮ ‬سبتمبر الماضي‮ ‬في‮ ‬مدينة‮ ‬غدامس‮ (‬على الحدود الجزائرية الليبية‮) ‬بين‮ ‬12‮ ‬عضوا من مجموعة طبرق و12‮ ‬آخرين من المجموعة المقاطعة‮ ‬يعدان مؤشرين إيجابيين لدعم المبادرة‮.‬

سربت دوائر من بعض دول الجوار قائمة إلى شبكة‮ “‬إرم نيوز‮” ‬تزعم أن الجزائر وجهت دعوات لحضور جلسات الحوار المقررة في‮ ‬الجزائر خلال شهر أكتوبر تضم‮: “‬محمود جبريل،‮ ‬عبد الرحمن شلقم،‮ ‬حافظ قدور،‮ ‬عبد المجيد مليقتة،‮ ‬محمد صوان،‮ ‬بـشير الكبتي،‮ ‬علي‮ ‬الصلابي،‮ ‬علي‮ ‬أبو زعكوك،‮ ‬عبد الحكيم بلحاج،‮ ‬أحمد قذاف الدم،‮ ‬عمران أبو كراع،‮ ‬محمد سعيد القشاط،‮ ‬العجيلي‮ ‬بريني،‮ ‬عبد الله عثمان،‮ ‬الطيب الصافي‮ ‬المنفي،‮ ‬علي‮ ‬كنة،‮ ‬قرين صالح قرين،‮ ‬علي‮ ‬الأحول،‮ ‬موسى إبراهيم‮”.‬

من‮ ‬يتأمل هذه القائمة‮ ‬يجدها تضم فاعلين سياسيين في‮ ‬وسائل الإعلام وفي‮ ‬الشارع الليبي‮ ‬باستثناء أحمد قذاف الدم الذي‮ ‬اتخذ موقفا مسبقا من الإخوان المسلمين الليبيين نشر‮ ‬يوم‮ ‬24‮ ‬سبتمبر‮ ‬2014‮ ‬في‮ ‬جريدة الشرق الأوسط حيث قال‮: “‬ما تم خلال السنوات الثلاث الأخيرة‮ ‬يفوق ما تم من قتل ونهب وسرقة واستباحة في‮ ‬42‮ ‬سنة‮ …‬منذ الإطاحة بالقذافي‮ ‬هيمنت جماعة الإخوان على شؤون البرلمان والحكومة وتمكنت من استخدام التيارات المتطرفة الأخرى‮”‬،‮ ‬مؤكدا على أن‮ “‬إخوان ليبيا جماعة لم‮ ‬يكن لها تأثير‮ ‬يذكر في‮ ‬المجتمع الليبي‮”‬،‮ ‬وما دام هناك من‮ ‬يعترض على حضور‮ “‬آل القذافي‮” ‬في‮ ‬طاولة الحوار فإن دعوته لا مبرر لها على الأقل في‮ ‬الجولة الأولى من الحوار،‮ ‬ونعتقد أن نجاح الحوار مرهون بعدة خطوات منها‮: ‬الاعتراف بالبرلمان الجديد والاتفاق على تشكيل حكومة إنقاذ وطني‮ ‬والتعجيل بانتخاب رئيس لليبيا ودعوة المسلحين إلى حوار لإدماجهم في‮ ‬المؤسسة العسكرية والأمنية على أن تتكفل بهذا الأمر دولة ليست طرفا في‮ ‬الأزمة الليبية‮.‬

 

الأحزاب الليبية و”من تحزب خان‮”‬

من أخطاء الثورات العربية أنها أقصت جزءا مهما كان محسوبا على النظام السابق في‮ ‬حين كان‮ ‬يفترض أن تصدر عفوا عاما‮ ‬يستثنى منه من تلطخت أيديهم بالدماء،‮ ‬فليبيا التي‮ ‬عرفت في‮ ‬ظل الاحتلال الأجنبي‮ ‬أول حزب سياسي‮ ‬عام‮ ‬1944‮ ‬حمل اسم‮ ‬‭”‬الحزب الوطني‮” ‬تزعمه أحمد الفقيه حسين لكن بمجرد أن ظهرت‮ “‬الجماهيرية‮” ‬وصار‮ “‬الكتاب الأخضر‮” ‬دستورها وطبقت شعار‮ “‬من تحزّب خان‮” ‬وعاش الشعب الليبي‮ ‬42‮ ‬سنة تحت رحمة هذا الشعار‮ ‬غير أن ثورة‮ ‬17‮ ‬فيفري‮ ‬2011‮ ‬فتحت الأبواب للكيانات السياسية والمجتمع المدني،‮ ‬فكان أول حزب‮  ‬تعترف به السلطة الجديدة هو”العدالة والتقدم‮” ‬الذي‮ ‬أنشئ في‮ ‬2‭ ‬جوان‮ ‬2012‮ ‬برئاسة عبد الله عبد العزيز التقاز وكان شعاره‮ ‬‭”‬الحوارالبناء واحترام الرأي‮ ‬الآخر وتعزيز الوحدة الوطنية‮” ‬فهل عمل الليبيون بهذا الشعار؟‮.‬

من‮ ‬يقرأ مفردات الأحزاب الليبية أو‮ ‬يدرس عناوينها وشعراتها‮ ‬يجدها تتمحور حول‮: “‬الوطن والوطني‮ ‬والوطنية‮ – ‬التضامن والوفاق والإخاء‮- ‬الوحدة والاتحاد وتوحيد الصف والتجمع والتحالف والجبهة‮ – ‬التنمية والتقدم والتغيير والإصلاح‮”‬،‮ ‬هذه المفردات تدل على التعطش إلى بناء دولة حديثة لكن حين ندرس مضماين برامج الأحزاب نجدها تميل نحو الغرب‮ (‬حزب الوسط‮ – ‬حزب المحافظين‮) ‬أو إلى دولة القبيلة‮ (‬ليبيا بيتنا وقبيلتنا‮) ‬ناهيك عن المضامين المنحازة لبعض مكونات الثقافة الليبية‮ (‬أمازيغ‮ ‬او تبو أو طوارق‮) ‬وحتى الأحزاب الدينية أو الليبرالية أو العلمانية لا تقدم تصورا واضحا للديمقراطية والتداول على السلطة،‮ ‬فهل‮ ‬يستطيع المشاركون في‮ ‬الحوار أن‮ ‬يقدموا تصورا جديدا لبناء الدولة الحديثة وأن‮ ‬يعملوا معا للوصول إلى مصالحة وطنية تتخطى بها ليبيا مشاكلها الحالية وتضمن الأمن والاستقرار؟‮   ‬

مقالات ذات صلة