الرأي

الخيانة العظمى!

حفيظ دراجي
  • 17344
  • 105

كنا دئما نعتقد بأن الخيانة العظمى قد مارسها الحركة والعملاء في عهد الاستعمار عندما باعوا وطنهم وإخوانهم إبان ثورة التحرير، وبأنها أكبر الجرائم المرتكبة في حق الشعب والوطن والثورة، ثم أضفنا لهم بعض ضعاف النفوس ممن يمارسونها اليوم خفية ويبتغون مكاسب دنيوية ومصالح شخصية.. ولكننا صرنا نعيشها اليوم بكل الأشكال والأنواع وفي كل المجالات، ويمارسها بصفة رسمية وعلنية وبطريقة مباشرة وغير مباشرة الكثير من المسؤولين وولاة الأمور الذين لا يخافون ولا يشبعون، ولا يفقهون شيئا في أبجديات العزة والكرامة والأمانة والأخلاق التي يدعيها الكثير..

عندما يمن علينا الله بفضله وخيراته البشرية والطبيعية والمادية وندفع من أجل الحرية والكرامة ثمنا غاليا ومع ذالك نغرق البلاد والعباد في المتاعب والمشاكل والكذب والنفاق وفي دوامة الشك والخوف من المستقبل بسبب الجهل واللاوعي والأنانية.. فإنها الخيانة العظمى بعينها لشعب يتحلى بالكثير من الصبر والوعي ويستحق رجالا ومؤسسات في مستوى تطلعاته..

عندما نحتفل بالذكرى الخمسين لاسترجاع السيادة الوطنية بمنح فرقة “كركلا” شرف تصميم وتجسيد الحفل الرسمي بتلك الكيفية التي لا تعكس عظمة الثورة و حجم الإنجازات الوطنية ، ونمنح له نظير ذلك المال الوفير وفوقه وسام الأثير الذي لم ينله عظماء هذا الوطن..فإننا نشعر بالخيانة العظمى للوطن والشهداء وللثقافة الجزائرية ولكل المبدعين الجزائريين حتى صارت الثقافة والفن لدى عامة الناس عنوانا للتبذير والإسراف والغناء والرقص عوض أن تكون جزءا من ثقافة وحضارة الأمة نحتاج اليها مثل حاجتنا الى الخبز والماء والهواء والكهرباء ..

عندما يبقى الرئيس والوزير والمدير في مناصبهم لا يتزحزحون عشرات السنين ويسعون للبقاء رغم الفشل والعجز و ضياع مصالح الناس، ونضع المنافقين والأوفياء، والفاشلين والناجحين في نفس المقام، ونسيءإلى الكثير من المخلصين في مختلف المواقع، ويخرج المسؤول من موقع المسؤولية أحسن مما كان دون رقيب أو حسيب، ولا يقدر أي مسؤول على الخروج للشعب للاعتذار عن النقائص والأخطاء فإنها الخيانة العظمى للأمانة التي تركها لنا أجدادنا، ولكل الوعود والعهود..

عندما تحل علينا الذكرى الخمسون للاستقلال ويجد المواطن نفسه يعاني نقص الماء والكهرباء والدواء وشلل المؤسسات، ويعيش في بلد يفوق فيه سعر قارورة صغيرة من المياه المعدنية سعر لتر من البنزين في بلد الماء والبترول والمليارات من الدولارات المكدسة.. فإنها الخيانة العظمى بعينها للوطن والشعب والخيانة العظمى للوعود التي قطعناها لشعبنا بالعيش الكريم في كنف الحرية والعدالة الاجتماعية..

عندما يصل التلفزيون الوطني الى هذه الدرجة من الانحطاط على كل المستويات رغم أنه أحد رموز السيادة الوطنية ونبقى نتفرج عليه وهو يتراجع، بل نتسبب في تراجعه ونقرر فتح المجال السمعي البصري بطريقة عشوائية وغير قانونية فإنها الخيانة العظمى في وقت كان يمكن أن يكون فتح المجال أكبر انجاز على الاطلاق بمناسبة خمسينية الاستقلال، وكان يمكن أن نهيئ التلفزيون لهذه المرحلة ومتطلباتها، وتكون المناسبة فرصة لدخول عهد جديد من الابداع وحرية الرأي..

أما الخيانة الكبرى لهذا الوطن فهي الصمت الرهيب الذي يخيم على الرجال والنساء والمؤسسات في كل المواقع، والسكوت على التراجع والتخلف والظلم في حق شعبنا ومستقبل أبنائنا الذين يحبون وطنهم ولا يريدون المغامرة بمستقبله، وليس لديهم عنه بديلا مثل بعض المسؤولين، ومن واجبنا أن نعتذر لهم قبل أن نطالب فرنسا بالاعتذار على جرائم نمارس بعضها ضد شعبنا كل يوم في السر والعلن وعن وعي وجهل ولكن المقام لا يسع لذكرها كلها.

لذالك أتوقف عند هذا الحد من سرد الخيانات حفاظا على المعنويات واحتراما لبعض الرجال في بعض المواقع والمؤسسات..

مقالات ذات صلة