-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الدفاع عن الذات بواسطة “الفضاء الممكن”

عمر أزراج
  • 1875
  • 2
الدفاع عن الذات بواسطة “الفضاء الممكن”

لم تمض على مغادرتي لبلادي الجزائري إلى بلاد الانكليز سوى مدة شهر واحد حتى بدأت اشعر أن رحيلي عنها ليست لعبة سياحية، أو نوعا من الغياب المؤقت لمدة أسابيع معدودة أو لسنة واحدة فقط. لقد أحسست بالألم يجتاحني من كل حدب وصوب حتى نفذ إلى قلبي اليتيم.

 بالفعل فقد جرَبت في حياتي أنواعا كثيرة من لسعات الغياب الدائم، وصرت أكتب الشعر لكي أسترجع كل ما أخذه مني ذلك الغياب المتكرر والعنيف، وبذلك أصبحت أؤمن أن مهمة الشاعر هي مقاومة الغياب بما في ذلك غروب الشمس في فصول الشتاء بقريتنا الباردة بسفح جبل لا لا خديجة. لقد غاب عني كثير من الناس ولم يعودوا إلي أبدا منهم أقرباء استشهدوا أمامي في الحرب الوطنية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي. لقد غاب أخي اسماعيل وهو في ريعان شبابه حيث ذهب إلى المهجر الفرنسي للعمل هناك ولم يعد إلاَ قطعا ممزقة بقوة الحديد الذي سقط على جسده جراء حادث مروع حدث له في معمل “رونو” الباريسي للسيارات.

أذكر أننا في الليلة التي غادر فيها إلى المهجر الفرنسي قد وضعنا الملعقة الخشبية التي كان يأكل بها دائما في مكانها في صحن الكسكسي التقليدي ومن ثم صعدت إلى أعلى شجرة الزيتون بحقلنا ورحت أناديه لكي يعود ليتعشى معنا، فرددت مرتفعات الجبال والروابي المحاذية لبيتنا ولحقلنا صوتي:  “تعال أخي اسماعيل وعد إلينا لكي تتعشى معنا…”، وفي تلك اللحظات انهمرت الدموع من عيني ومن عيون اخواني وأخواتي ووالدي، وشعرنا بالآلام تخنقنا، ولكن الاصداء لم تعده إلينا سوى جثة هامدة.

كانت هذه الطقوس هي طقوس قريتنا في توديع العمال المغتربين إلى فرنسا الذين قد يعودون أحيانا وقد تغريهم ديار الغربة فيختفون لسنين طويلة وحين يشيخون تقذف بهم الايام إلى الأهل، وقد يعودون موتى او يدفنون هناك. نعم، لقد صرت أحدَث نفسي كلما انعزلت وحيدا وأقول لها وكأنني أحدث شخصا أنجبته بنفسي وبصيغة المثنى: “رحلتنا في بلاد الضباب هذه ستكون طويلة”.

في مثل هذه اللحظات رحت استعيد كتابات كثيرة قرأتها عن الهجرة والمنافي، منها ما كتبه سوفوكليس في مسرحيته ” المتضرعات” عن النساء المصريات الهاربات من مصر من العسف إلى بلاد اليونان. تذكرت أيضا أن المفكرة البلغارية الاصل والفرنسية الجنسية والاقامة جوليا كريستيفا كتبت مرَة قائلة بأن “عصرنا الحاضر هو نوع من المنفى”، ثم استطردت متسائلة: “كيف يستطيع الفرد تجنب الغرق في وحل الحسَ المشترك، إن لم يكن ذلك بأن يصبح غريبا أمام وطنه، ولغته، وجنسه وهويته؟” إن هذه المفكرة البلغارية التي جرَبت عمليا مرارة الغربة في باريس/فرنسا جراء رحيلها عن وطنها وعن العقيدة السياسية التي لم تكن تريدها ولكنها كانت تتربص بها في كل مكان، تعتبر المنفى شكلا من أشكال الانشقاق الذي يعني في الحقيقة وفي العمق : ” سلخ الفرد لنفسه عن العائلة، وعن البلد أو عن اللغة”.

ولكي يتم قهر صقيع هذا المنفى لا بدَ إذن للمناضل أو للأديب أو للشاعر أو للفنان من أن يخلق لنفسه، في الارض التي يسقط فيها فجأة،  فكرة بديلة يعيش من أجلها و تكون بمثابة وطنه الجديد حيث يفتقد بحسرة وطنه الأصلي الذي قد لا يعود إليه أبدا. إنه صحيح أن المنفى بالنسبة للمنفي” يقطع كل الصلات بما في ذلك تلك التي تربطه بالمعتقد الذي يجعلنا نعتقد أنَ الشيء الذي يدعى الحياة له معنى يضمنه الوالد الميَت. إذا كان المعنى يوجد في حالة المنفى فإنه رغم ذلك لا يجد تجسيدا، وأنه ينتج بدون توقف ويحطم في التحولات الجغرافية والخطابية” كما تضيف كريستيفا التي تبرز مجددا أن “المنفى هو طريقة للبقاء حيَا في وجه الوالد الميَت، وأنه المقامرة مع الحياة التي تعطي معنى لها، وهو الرفض بعناد الاستسلام لقانون الموت” لاشك أن المنفى ليس ابن الجغرافيا فقط بل فإنه قد يكون نتاجا للاغتراب الفكري أو النفسي أو الروحي أو المادي في الوطن نفسه، وتعد هذه الاشكال المتنوعة من المنافي أكثر قسوة على الروح. وبدون أدنى ريب فإن كلاَ من ليون غرينبورغ وروبيكا غرينبورغ على حق في قولهما بأنَ ” المهاجر بحاجة إلى “المكان الممكن”  الذي يخدمه كـــــ “مكان انتقالي” و كــــ “زمان انتقالي” من أدوات بلده الأم إلى العالم الخارجي: المكان الممكن الذي يحوي إمكانية تحويل الهجرة إلى لعبة معيشة بكل جدية، وإذا انعدم وجود هذا المكان، يحدث التصدع في علاقة الاستمرارية بين المحيط والذات.”

حقا، تلك هي الصعوبة التي تقف أمامنا بحدة ،إنها مأساة انقطاع حوار الذات عن جوارها، وفي هذا السياق فإن انعدام هذا المكان الممكن الذي وصفه المفكر والمحلل النفسي البريطاني دونالد وينيكوط في سياق حديثه عن المشكلات التي تنشأ عن النمو غير السوي للطفل يمكن نقله لوصف حياة المغترب. إن انعدام هذا الفضاء الممكن أمر يجعل المنفي في مهجره يفقد الصلة مع العقلانية، كما يفقد الطفل الصغير المحروم من أدوات اللعب امكانية ” تشكيل الرموز” كما يستنتج أيضا كل من ليون وروبيكا غرينبورغ في رصدهما النظري والعيادي للمشكلات النفسية والوجودية التي تنشأ عن الهجرات بكل أنماطها في العصر الحديث.

في الأسابيع الأولى من بداية حياتي كمهاجر ببريطانيا أدركت على ضوء ما قرأته للمفكرة البلغارية المذكورة آنفا أن ” الكتابة مستحيلة بدون بعض نوع من المنفى”. ماذا يعني هذا بالضبط؟ إنه يعني في رأيي أن الكتابة الابداعية في حاجة ماسة ودائما إلى مسافة مع تقاليد الكتابة الموروثة لكي يسهل إدراكها كما هي وبعيدا عن عادة الاغلاق عليها في صناديق عواطفنا التي تلتصق بها غالبا، وتجعلنا بالتالي وجراء ذلك الالتصاق لا نراها، بل تجعلنا نعيد انتاجها وتكرارها بشكل نمطي و بدون وعي منَا. إنه بدون حدوث انفصال العادات القديمة عن عواطف البشر فإن تجديد أو إبداع العادات الأكثر انسانية وتطورا وديمقراطية يبطل، وفضلا عن ذلك فإنه من المستبعد جدا أن تحدث لحظة تجاوز تلك التقاليد واحلال محلها طرق جديدة في الرؤية وفي تشكيل العالم كما نريد وليس كما وجدناه من قبل. كما أدركت أيضا أن الانخراط في الكتابة النقدية المؤسسة على النضج الانساني يمثَل بطريقة ما هذا “المكان الممكن” الذي يولَد الاحساس بأنني على صلة بالعالم، وبأنني لست مغتربا بالمطلق عنه، وأنني لست وحدي فيه، وأنني أوجد خارج أقفاص الأنا- وحدية التي تغلق الحدود بين الذات والذوات الأخرى في حركة الحياة المتعرجة . حقا إن هذا المكان / الفضاء الممكن يوفر لنا كما يؤكد عالم النفس الانكليزي دونالد وينيكوط ” المنطقة غير المتناهية للتجربة التي توجد بين الوهم والحقيقة”، وهي المنطقة التي نكتسب فيها حظنا من هذه الحياة بحلوها ومرَها وبعيدا عن الامتثال وشتى اشكال الخيانة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • mima

    youmkinouka taghyirou al sora bi dhaghti houna arsil idhghat maratayni 3ala ayi khana kitabatoun li tadhhar law7atou lmafatih al mouta

  • محمد ب

    مشكلتك البارزة هي أنك لم تعرف لمن توجه خطابك أم حصرت نداءك لتقنع نفسك أن مصيرك لا يختلف عما آل إليه أخوك إذا أراد الرجوع إلى أرض أجدادك أي أنك تفضل قطع الأوصال بما يذكرك بالماضي الذي عزمت نسيانه لمجرد أنك ترعى من أرض ترى نفسك فيها صغيرة.مشكلتنا نحن الجزائريون أن نمو شخصيتنا لم يكتمل.لا شيء في بيئتنا يربطنا بوطننا:لا الطبيعة تشدنا إليها رغم جمالها وخيراتها المنهمرة ولا سكانها البسطاء بسذاجتهم وجهالتهم يؤثر فينا كلامهم وعواطفهم ولا تغرينا شمائلهم بل كل ما حولنا مشمئز في أعيننا حتى لما نهجر صبانا