الدكتور عبد الله حمادي.. سيرة الإنسان (الجزء 3/1)
قرأت منذ أن أصبحت مولعا بالقراءة الكثير من المذكرات والسير لشخصيات من عوالم عدة ومن قارات عديدة.
قرأتُ مذكراتِ وسير عمالقة الأدب العربي والعالمي مثل (الأيام) لطه حسين من خلال طبعتها الأولى ، كما قرأت لعددٍ من قادة العالم من أمثال الرئيس الأمريكي الأسبق باراك حسين أوباما سواء قبل أن يعتلي الرئاسة ( أحلام من أبي ) أو بعد أن أصبح رئيسا ( الأرض الموعودة ) ، كما قرأت مذكرات الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون (حياتي) ومذكرات زوجته هيلاري ( الخيارات الصعبة ).
ناهيكم عن مذكرات عدد من الرؤساء الفرنسيين من جيسكار ديستان إلى جاك شيراك وانتهاء بساركوزي الخارج من السجن أخيرا والذي أعلن أنه انتهى من كتابة يومياته في السجن لتصدر قريبا في كتاب.
كما قرأت مختلف المذكرات التي كتبها عددٌ من قادة الثورة الجزائرية ومن بينها مذكرات الطاهر الزبيري وعلي كافي إلى محمد السعيد معزوزي إلى عبد الرزاق بوحارة إلى الأخضر بن طوبال والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي رحمهم الله إلى جانب مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد رحمه الله في جزئها الوحيد الأول بعد أن حالت عدة عوامل ومنها موت كاتبها الصديق الراحل الأستاذ عبد العزيز بوباكير من صدور الجزء الثاني .
كما استمعت إلى الحلقات التي سجلها الرئيس الراحل أحمد بن بلة بصوته ضمن برنامج ( شاهد على العصر ) التي بثت في قناة الجزيرة . و كانت هذه الحلقات قد مزجت بين حياة أولِ رئيسٍ للجزائر بعد استعادتها للاستقلال وبين نضالاته منذ الحركة الوطنية.
كما أنني مازلت أنتظر بشوق وبحرقة المذكرات التي كتبها المناضل والمفكر السياسي الكبير الصديق الراحل الأستاذ عبد الحميد مهري رحمه الله ، وهي المذكرات التي كتب مقدمتها الدكتور علي بن محمد والتي لطالما ألححتُ على الأستاذ سهيل نجل الر احل سي عبد الحميد أن يفرج عنها لتقرأ الأجيال ما فيها من معلومات ودرر ، وهي أمنية قال لي الدكتور بن محمد بأنه يشاطرني الرأي في نشرها.
كما أنني قرأت رواياتٍ حملت بين طيات صفحاتها شبه سير لبعض الشخصيات مثل رواية اللاز التي نشرها الروائي الراحل الصديق الطاهر وطار عام 1974 بعد أن ظلت كفكرة تختمر في ذهنه منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي ، ناهيكم عن رواية ( من أجلهما عشت) التي كتبها الدكتور أحمد مَنّور والتي مزج فيها بين المسار التاريخي للعلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس وبين الحبكة الروائية ، وهو نفس ما ذهب إليه الروائي الكبير واسيني الأعرج في عدد من أعماله الروائية وخاصة عن الأمير عبد القادر والرئيس الراحل أحمد بن بلة وحتى عن مي زيادة .
وقد وجدت في كل ما قرأت من سير وروايات أن هناك تباينا كبيرا بين السرد الخالي من كل حبكة إبداعية وروح إنسانية وبين نصوص غارقة في روح إنسانية وبعيدة عن الأنا تجعلك أحيانا أسِيرَ النص بكل ما يحمله من مشاعر، فتبكي مع بعض الأحداث والقصص وتغوص أحيانا في تلك النصوص بكل جوارحك دون أن تتوقف ، وبين نصوص تكاد تجعلك ترمي الكتاب جانبا من أول وهلة لأنها غارقة في الذات والأنا إلى حد التخمة والشبع، نصوص لا تشبه النصوص جافة لا روح فيها، وسير ومذكرات لا تشبه مثيلاتها من السير والمذكرات .
في مقدمته العلمية والإبداعية الرصينة والرائعة لكتابي الصادر في ماي 2006 : مسيرة حياة .. من الخيمة إلى البرلمان .. كتب الروائي الكبير الصديق واسيني الأعرج يقول :
(مع أن السيرة هي اللحظة الأدبية الأولى التي يفتح عليها الإنسان وجوده لتثبيت زمن يتسرب من بين يديه بسرعة كبيرة، وهي تجسيد لرغبةٍ باطنية لتقاسم ذاكرةٍ أصبحت بين حافتيْ النهاية ولاستعادة حافة القبر حيث ينتهي كل شيء ويتحلل نحو عناصره التكوينية الأولى، لا ذاكرة ولا عواطف ولا تاريخ، وحافة الحياة الممكنة بحيث يمكن توريثُ أو نقلُ بعض عناصر الذاكرة عن طريق السيرة ومنحها إمكانيةً جديدة للحياة، وهو ما يجعلها فعلا إنسانيا طبيعيا ليس رهين قومية أو إثنية أو ثقافةٍ معينة دون غيرها.)
ثم يضيف الدكتور واسيني :(الحياة القاسية التي عاشها الكاتب امحمد بوعزارة هي بنت هذا العصر الإنساني في كل اختلاجاته، وهي قطعة منه. فقد قادنا الكاتب بمهارة عالية من الطفل الصغير الذي جاء بعد وفاة أخيه مبارك حتى الرجل الذي قطع شوطا كبيرا في حياته بكل عنفها ليعود إلى صفائه الأول.)
هذه الحقيقة التي توقف عندها الصديق الروائي الدكتور واسيني الأعرج في سيرتي هي التي وجدتُها تشدني إليها شدا وتأسِرني أسرًا في الكتاب الذي أصدره عام 2025 المبدع والأكاديمي عبد الله حمادي والذي يحكي فيه بسردية مشوقة مسيرته منذ ولادته إلى تاريخ افتكاكه لشهادة الدكتوراه عام 1980 ، والكتاب يحتوي على 500 صفحة بعنوان : ( مسيرة حياة ) .. و قبل أن أحاول تقديم ملخص مختصر عن هذا الكتاب السيرة الحامل لكل القيم الإنسانية الجميلة بلا تنميق أو تزويق ذاتي دعوني أذكركم ــ وهو أمر ينطبق على سيرة جيلنا الذي ولد قبيل الثورة وعاش إرهاصات الثورة بكل عنفوانها وويلات الاستعمار ـــ أنني عندما أصدرتُ كتابي السالف الذكر في 2006 وجدتُ عددا من الأصدقاء ومن مناطقَ مختلفة من أرض الوطن شرقا وغربا ووسطا وجنوبا مدنيين وعسكريين يتصل بي ويذكر لي أن الكتاب كأنه يحكي عن طفولتنا المشتركة المعذبة التي عشناها في تلك السنوات العجاف وكيف تحدينا وواجهنا الصعاب والتحديات وقساوة الحياة رغم اختلاف الأمكنة.
و لذلك فعندما أهداني الصديق الدكتور عبد الله حمادي كتابه ( مسيرة حياة ) وجدتني رغم المرض الذي كان قد ألم بي دون سابق إنذار ونصائح الزوجة والأبناء بأن أتوقف عن اللقاءات وعن استعمال الهاتف وحتى عن القراءة والكتابة وجدتني أقول لهم مبتسما :
دعوني أموت وأنا أقرأ وأكتب فما أجمل الموت وأنت تقرأ أو تكتب، فالكتابة والقراءة هي متنفسي وهي جزء من حياتي، فبدونهما لا يمكن أن أعيش، كما أن لقاءات الأصدقاء هي متنفس آخر يعيد لي شيئا من الحياة عبر حوارات هادئة هادفة بعيدة عن التشنج والأنا، وبعيدة عن جلد ذات الآخرين مهما كانت درجة الاختلاف معهم، وخاصة إن كانوا من تلك الصفوة من رجال الوطن الذين لولاهم ما استعدنا استقلالنا والذين صرنا نجد بعض أشباه الكتبة يحاولون اليوم أن يشوهوا تاريخهم ونضالاهم .
و هكذا رحت ألتهم سيرة الصديق عبد الله حمادي التهاما ، بل وأكمل قراءة هذه السيرة المشوقة في ظرف أقل من أسبوع. تعود جذور عائلة الدكتور عبد الله حمادي إلى منطقة السبيخة التي يطلق عليها حاليا بمشتة سيدي العربي ببلدية زيغود يوسف التابعة لولاية قسنطينة. كانت العائلة تمتلك عدة هكتارات من الأراضي مخصصة للزراعة وللماشية قبل أن يستولي عليها عدد من المعمرين الأوروبيين خلال فترة الاحتلال.
و مع الحرب العالمية الأولى وقيام سلطات الاحتلال بفرض الخدمة العسكرية على المواطنين الجزائريين والزج بعدد من المواطنين في السجون وكثرة العمليات اللصوصية ضد أبناء تلك المنطقة من الشمال القسنطيني ومنهم عائلة حمادي المعروفة بالعُلمة أو العلماء لكون أن عددا منهم كانوا يُعتبرون من العلماء ، فإن آل حمادي اضطروا مع نهاية تلك الحرب إلى الهجرة خارج الوطن .
و هكذا فإن عائلة حمادي الذي كان من بينهم والده الشاب بومنجل المولود في 1903 خاضوا غمار البحر وركبوا الباخرة التي قادتهم نحو سوريا حيث استقرت العائلة بمدينة حلب السورية .
و بعد إقامةٍ دامت ربع قرن في مدينة حلب الشهباء قرر مجموعة من أفراد العائلة العودة إلى أرض الوطن عام 1945. و في طريقهم إلى أرض الوطن بلغتهم أنباء المجازر الرهيبة التي قامت بها قوات الاحتلال والمعمرين الأوروبيين ضد الشعب الجزائري وخاصة في الشمال القسنطيني .
و هكذا فإن تلك الأخبار جعلت عددا من أفراد يجازف بالعودة إلى أرض الوطن ويستقر بعنابة ، بينما فضل بومنجل والد عبد الله الذي لم يكن قد ولد بعد أن لا يغامر حيث قرر الإقامة مع عدد من أفراد العائلة بأرض تونس الشقيقة حيث أقاموا هناك بمنطقة باجة ثم تبرسق غير بعيد عن الحدود التونسية الجزائرية .
فقد وجد آل حمادي الترحيب من طرف إخوانهم التونسيين وكذا من طرف بعض العائلات الجزائرية التي اضطرتها ظروف الاستعمار للهجرة نحو الأراضي التونسية مثل عائلات بن حديد وببن سليمان و وبن بكوش والعشاش وغيرها من العائلات الجزائرية .
و لعل من بين الذكريات الأليمة التي ظلت عالقة بذهن الطفل عبد الله عن الفترة الأولى من إقامتهم في إحدى المشاتي قرب تبرسق هي وقوع حريق مهول أتى على الأخضر واليابس على الكوخ الذي كانت تستقر به العائلة .
كان ذلك في إحدى أواخر أيام الخريف . كان الوالد ليلة ذلك الحريق المشؤوم غائبا في زيارة لبعض الأقارب، وعندما عاد لم يجد سوى آثار ذلك الكوخ الذي أتت عليه النار بالكامل، ولكن المعجزة الإلاهية أن الأولاد والزوجة نجوا جميعا بعد أن هب إليهم الجيران وبعض الأقارب لنجدتهم من الحريق .
و مرة أخرى يقرر الشيخ بومنجل والد عبد الله أن يرحل من ذلك المشتى ويتجه إلى قرية تونسية أخرى تدعى الكريب التي وجد فيها كل التضامن وخاصة من قبل عدد من العائلات الجزائرية المهاجرة . لم يكن يوجد في تلك القرية في بداية الأمر أية مدرسة .
قرر والد عبد الله أن يرسل ابنه البكر شقيق عبد الله إلى معلم يبعد بعدة كيلومترات عن قرية الكريب ليحفظ القرآن . و هكذا فإن الطفل عبد الله رغم صغر سنه كان يرافق أخاه وهو حافي القدمين . استمرت رحلة الذهاب والإياب سنوات كان الطفل عبدالله خلالها يكتفي بالسماع .
و مع تمكن شقيقه من حفظ القرآن وجد له والده مكانا يقوم فيه بتحفيظ القرآن لأبناء تلك القرية من أطفال جزائريين وتونسيين . و هكذا فإن الطفل عبد الله انضم هو الآخر ليكون من بين حفظة القرآن وهذه المرة على يد شقيقه الأكبر مرافقه بالأمس في رحلته مشيا على الأقدام حافيا بدون حذاء .
يتبع…