الدولة لا تمثّل “العناية الإلهية”.. وهذه خارطة الطريق لتجاوز الأزمة
أجمع خبراء الاقتصاد المشاركين في ندوة “الشروق”، أن “الكرة لا تزال في مرمى الحكومة”، بالرغم من بوادر الأزمة المالية التي قد تخنق الخزينة قريبا، لكنهم توقعوا أن لا يستمر الدعم الحالي لأزيد من 24 شهرا، بالمقابل تحدّثوا عن خطة اقتصادية محكمة للخروج من “المأزق المالي”، تتضمن فتح الأسواق أمام رجال الأعمال لجني 900 مليار دولار، وتوسيع الوعاء الضريبي، إضافة لإنعاش 12 قطاعا مجمّدا، واستغلال 600 ألف نابغة، و500 ألف شهادة عليا، مطالبين بمزيد من الجرأة لغلق البلديات العاجزة عن جمع الرسوم من مواطنيها.
الخزينة لا تتوفر على أموال كافية لمواصلة “السوسيال“
دعم الوقود والخبز والحليب لن يستمر أكثر من سنتين!
بالرغم من أن الوزير الأول عبد المالك سلال، أكد مرارا وتكرارا أن الحكومة لن تتراجع عن المكاسب الاجتماعية المحققة في السنوات الأخيرة ولن ترفع سياسة الدعم، رغم العاصفة المالية التي تضرب الخزينة بفعل تراجع مداخيل البترول، إلا أن كاتب الدولة المكلف بالاستشراف والإحصاء سابقا بشير مصيطفى، توقع تجميدها سنة 2018 كأقصى تقدير، مؤكدا أن “الخزينة لا تنام على أموال كافية لمواصلة الدعم بنفس الطريقة التي نشهدها حاليا“.
وأكد مصيطفى، الإثنين، لدى نزوله ضيفا على ندوة “الشروق” بفندق “السلطان“، حول الوضع الاقتصادي العام في الجزائر والإجراءات التي باشرتها الحكومة مؤخرا، أن دعم الوقود والحليب والخبز وغيرها من المواد، لن يستمر أزيد من 24 شهرا إذا تواصلت المؤشرات الاقتصادية الحالية، وأن الدولة ستكون مضطرة لمراجعة الدعم من خلال تبني إجراءات جديدة، تتمثل في إلغاء المساعدة للأغنياء، وجعلها حكرا على الفقراء والمعوزين ومتوسطي الأجر، عبر منحة مالية شهرية يطلق عليها اسم “منحة الدعم” أو “منحة الغلاء“.
أزمة 2015 أخطر من محنة 86
وفي مقارنة بين الأزمة الاقتصادية التي شهدتها الجزائر سنة 1986 والوضع الذي تعيشه الخزينة حاليا، أوضح مصيطفى أن ظاهر الأمور يؤكد أن نفس السيناريو يتكرر اليوم، من خلال انخفاض سعر البترول الذي بلغ 10 دولار للبرميل سنة 1986، وانخفض حاليا إلى 45 دولارا، إلا أن الاختلاف يكمن حسب كاتب الدولة السابق في ظروف الأزمة ، فأزمة 1986 خلقها مضاربون في السوق آنذاك ولم تمتد طويلا، حيث عادت أسعار النفط لترتفع وتتجاوز 100 دولار، في حين أن الوضع حاليا ينبئ بالعكس، لأنّ الأزمة هيكلية ومرتبطة حسب نفس الخبير، بالغاز الصخري والتحولات الطاقوية التي تعرفها الجزائر ودول العالم، وهو ما بات ينذر بعدم عودة الأسعار للارتفاع، فحسب المتحدث “لا يستطيع أن يجزم أي شخص حاليا ببلوغ سعر البرميل 100 دولار في السنوات المقبلة ..والأزمة ستستمر طويلا“، مضيفا “الفرق بين 1986 و2015 أن الجزائر حاليا تمتلك احتياطيا من النقد الأجنبي يسمح لها بالمقاومة والخروج من الأزمة، إذا اعتمدت الحلول اللائقة، في حين أن الوضع في السابق لم يكن كذلك، فخزينة الدولة أصبحت آنذاك خاوية على عروشها في ظرف 15 يوما“، مشددا أن “مفاتيح الخروج من الأزمة بين يدي الحكومة، وهي وحدها القادرة على اختيار الحلول عبر الابتعاد عن اقتصاد الريع وعدم الاكتفاء بالبترول كمصدر للدخل“.
12 قطاعا راكدا لإنعاش الاقتصاد
وأوضح مصيطفى في هذا الإطار، “هنالك 12 قطاعا عاطلاً في الجزائر منها، الزراعة والصناعة والسياحة والبتروكيمياء والموارد البشرية“، مضيفا “حتى في قطاع المحروقات، الحكومة لا تعتمد إلا على البترول والغاز، ولا تستغل الطاقات المتجددة ولا الفوسفات ولا الحديد والمناجم“، متسائلا عن سر استمرار غلق منجم غار جبيلات الذي لم تستثمر فيه الحكومة لحد الساعة، رغم تصنيفه كأحد أهم المناجم العالمية“.
وتحدث مصيطفى عن 600 ألف باحث جزائري مصرحا “عدد كبير منهم متواجد في الخارج يضافون إلى 500 ألف شهادة عليا و10 ملايين متمدرس بين الجامعات والمدارس، وهي طاقات بشرية يجب على الحكومة استغلالها لمجابهة أزمة البترول“، ودعا المتحدث إلى ضبط الموارد الاقتصادية وتأسيس سياسة نقدية كُفءة، قادرة على جلب الجديد عبر تحرير الاستثمارات، وعدم مركزة القرارات مع اعتماد خلايا يقظة لاستشراف الوضع، واستغلال الجامعات وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعديل معايير التوظيف والشروع في الإنتاج الفلاحي بالمساحات غير المستغلة.
تخفيض الدينار وفّر ملياري دولار في ظرف قياسي
وبالعودة إلى السياسة المنتهجة من طرف الحكومة لمواجهة أزمة البترول وشح المداخيل، تحدث مصيطفى عن قرار تخفيض قيمة الدينار الذي لجأت إليه الحكومة بطريقة غير مباشرة وغير معلنة، حيث تحدث عن انهيار الأورو والدولار بـ31 بالمائة في ظرف قياسي، مشددا على أن هذا القرار سمح بضخ ملياري دولار في خزينة الدولة في ظرف قصير، وهو المبلغ الذي أوضح أنه سيساهم نسبيا في التقليل من العجز، إلا أنه توقع بالمقابل أن تكون له تأثيرات سلبية خطيرة خلال السنة المقبلة، تتقدمها ارتفاع نسبة التضخم والتي قد تبلغ 10 بالمائة، مشيرا إلى أن الأسعار بدأت ترتفع في الأسواق من الآن، بسبب غياب الرقابة وانتشار المضاربين، وعاد في هذا الإطار إلى تصريح وزير المالية عبد الرحمن بن خالفة، والذي قال إنه بالرغم من حديثه عن استحالة المساس بأجور المواطنين، إلا أن هذه الأخيرة انخفضت بشكل محسوس، دون أن يكتشف المواطن ذلك، وهذا عبر احتساب الفارق بين الأسعار والأجور الإسمية، التي يتلقاها هؤلاء والتي لم تعد تحمل نفس القيمة التي كانت تشهدها سابقا.
تجميد المنح والعلاوات والزيادات والترقيات خلال 2016
وبالنسبة لتخفيض نفقات التسيير عبر قانون المالية 2016 بنسبة 9 بالمائة، وهو القرار الذي تحدث عنه الوزير الأول عبد المالك سلال قبل يومين خلال لقائه بالولاة، أوضح مصيطفى أن هذا الإجراء سيؤدي إلى تجميد المنح والعلاوات والزيادات والترقيات للعمال بداية من 2016، ناهيك عن إلغاء كافة المهرجانات والاحتفالات الفجائية، والتي كانت تعتمد سابقا على قروض من وزارة المالية، مضيفا “كافة القرارات الفجائية لن تجد ممولا لها خلال المرحلة المقبلة .. فتخفيض نفقات التسيير يعني وقف القروض المالية التي تقدمها الوزارة الوصية لمختلف هيئات الدولة، ولو اعتمدنا هذه السياسة بداية من هذا العام لما كانت هنالك عاصمة الثقافة العربية قسنطينة“، كما تحدث عن منع المديرين من اقتناء سيارات ومركبات جديدة بداية من السنة المقبلة ونفس الشيء بالنسبة للكومبيوترات وكل المقتنيات القابلة للاستهلاك.
الدولة قادرة على جلب 60 مليار دولار من الضرائب بدلا عن التقشّف
وعن التخفيض الذي قامت به الحكومة في فاتورة الواردات، والذي لم يتجاوز لحد الساعة 2.7 مليار دولار، أوضح مصيطفى أنه رقم صغير مقارنة مع الإجراءات المتخذة، والمبنية على تعطيل استيراد الموز والكيوي والسيارات والكماليات والأدوية دون منشأ، وهو ما قال أنه يجب أن يتم إدراجه في “قائمة رمادية“، في حين تحدث عن إمكانية صب 60 مليار دولار من الجباية فقط خلال السنوات المقبلة، وهو الرقم الذي يمكن أن يعفي الدولة في حال لجأت إلى استرجاعه في إطار سلس من حرج إجراءات التقشف، التي تثير الرعب وسط الجزائريين، رغم أن الحكومة لم تعترف لحد الساعة بوجود تقشف ولا تزال تتحدث عن ترشيد النفقات وضبط المصاريف.
أزمة البترول تنتقل إلى أسعار الغاز .. والمناقصة المقبلة مهدّدة بالفشل
وقال مصيطفى إن الأزمة المقبلة لن تشمل فقط أسعار البترول التي تشهد انخفاضا، وإنما أيضا سعر الغاز بسبب ضعف الصناعة الطاقوية في الجزائر، مشددا على أن تكلفة البرميل في الجزائر تزيد عن 20 دولارا، في حين أنها في السعودية لا تتجاوز 4 دولار وإيران لا تتجاوز 5 دولار، معتبرا أن الحكومة مهددة بفقدان أسواقها في إسبانيا وإيطاليا خلال المرحلة المقبلة، بسبب هذا الفارق، في حين أوضح أن مناقصة النفط المقبلة التي تحضر لها الحكومة لن تشهد الإقبال الذي تنتظره، مشددا “في المناقصات السابقة شهدنا عزوفا وخلال المرحلة المقبلة من المرتقب أن نشهد عزوفا أكبر، فالجميع سيفضل الذهاب نحو إيران التي تحضر هي الأخرى لاستغلال حقولها العذراء وبدأت تتفاوض مع دول أوروبية وقد تمنح صفقات جديدة في القريب العاجل“.
حميدوش يقترح غلق البلديات العاجزة ويؤكد:
“افتحوا الأسواق لرجال الأعمال وستجنون 900 مليار دولار“
أكد المستشار السابق في البنك الدولي محمد حميدوش، أن الجزائر ستجني ما قيمته 900 مليار دولار في حال ما قررت فتح اقتصاد السوق أمام المستثمرين ورجال الأعمال، الأمر الذي بات ضروريا في نظره. بالمقابل اقترح الخبير الاقتصادي غلق البلديات التي لا تستطيع فرض رسوم على مواطنيها والمساهمة في استقلالية مداخيلها عن خزينة الدولة.
رفض الخبير الاقتصادي محمد حميدوش، لدى نزوله أمس، ضيفا على ندوة “الشروق” بفندق السلطان بالعاصمة، تهويل الوضع الذي تعيشه البلاد، كونه لم يصل إلى مصطلح “الأزمة” بعد، على حد وصفه، لأن الحكومة لا تزال تمتلك الحلول في جعبتها، للخروج من بوتقة الريع البترولي وتنويع اقتصادها وحتى فتح السوق أمام الخواص، الأمر الذي من شأنه أن يرفع القيمة المالية للخزينة العمومية بـ 900 مليار دولار.
وتساءل ضيف “الشروق“: هل فعلا نحن في أزمة؟ ليجيب: “لا بل نعيش خللا من ضوابط الاقتصاد الهيكلي، على خلفية ارتفاع حجم الواردات عن الصادرات، وهذا معروف من زمان، كما كان معلوما أنه سيكون له تداعيات“، ليضف أننا لسنا في أزمة بل توقعات بدخولها بعد أربع سنوات على الأقل، إذا ما واصلنا تسيير اقتصادنا على نفس الوتيرة الحالية.
الدولة لا تمثل “العناية الإلهية” وعلى الجزائريين أن يشمروا على سواعدهم
واقترح حميدوش، أن تكون للدولة الجرأة الكافية لتصحيح بعض الاختلالات، على رأسها وضع إطار للمنظومة الضريبية، حيث تقع على عاتق المواطن مسؤولية بدفع الرسوم والقيمة المضافة، ومن بين الأولويات التي قدمها ضيف “الشروق“، إعادة النظر في طريقة تسيير الجماعات المحلية التي تعتبر النواة الأولى للمساهمة في رفع الميزانية، حيث تلعب البلديات دورها في استقلالية تحصيل مداخيلها، ولا تعتمد على خزينة الدولة، حيث تجبر مواطنيها على دفع الرسوم على السكن، النفايات وغيرها، كما هو معمول في جميع الدول، وإلا تم غلق البلديات التي تشكل عبءا على الدولة، وقدم مثالا عن ألمانيا التي يخاف مواطنوها من الحصول على بيت بسبب الرسوم والضرائب، إلا أن الأمر مختلف في الجزائر التي يريد الجميع فيها امتلاك منازل دون دفع دينار واحد.
وانتقد المتحدث اتّكال المواطن على الدولة في كل شيء وكأنها العناية الإلهية، ليرافع حميدوش من أجل تصحيح سلم القيم عند المواطن، ليكون الشغل على رأسها، معلقا: “في الجزائر المواطن يتحدث عن كل شيء إلا عن العمل، ويعتبر أن الدولة هي العناية الإلهية ويعتمد عليها في إسكانه ورزقه وكل مصالحه“.
وحذر ضيف “الشروق” من خطورة مواصلة الحكومة لسياسية الدعم للمواد واسعة الاستهلاك، في ظل عدم وضوح قواعد اللعبة، وضبابية سياسة الدعم التي يستفيد منها الغني والمعوز، وتمنح فيها الأموال لتشمل حتى الحفلات والمهرجانات الراقصة، ولفت إلى أن الدولة لن تكون قادرة على مواصلة الدعم في ظل الأوضاع الحالية الصعبة ومواصلة سعر البترول انخفاضه.
لينصح الخبير الاقتصادي بضرورة الخروج العاجل من سياسة التسيير العشوائية والتوجه إلى السلطة الاستشرافية والتخطيط، لأن الدول التي تحترم نفسها تضع استراتيجية بعيدة المدى قد تصل 80 سنة، أما في الجزائر، فإن أطول فترة 5 سنوات.
كما انتقد المتحدث ثقل القطاع العام والتمسك ببعض أفكار النظام الاشتراكي التي تجازها الزمن، وغياب دور البرلمان كمؤسسة تشريعية فاعلة في صياغة القوانين وممارسة دور الرقابة، مقترحا أن يكون له ديوان لتقييم الميزانية، ولنواب الشعب خبراء اقتصاديون يواجهون الحكومة عند عرضها للمشاريع، خاصة قانوني المالية السنوي والتكميلي.