-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الدويلة العظمى

الشروق أونلاين
  • 1294
  • 0
الدويلة العظمى

بقلم‮: ‬ابن‮ ‬خلدون: IBN‭-‬KHALDOUN@MAKTOOB‭.‬COM

‭ ‬ابن‮ ‬خلدونألا تشاطرني الرأي يا سعادة السفير أن كاتبكم قد تجاوز ما كتبته أنا عن بلدكم بأشواط حين أتهم المؤسسة العسكرية الجزائرية كراعية للفساد واعتبر بوتفليقة فاسدا. ومن باب اللياقة هنا ألا استشهد بالمزيد مما كتبه هذا الصحافي تدليلا على كلامه. ورغم هذا لم نسمع أن سفارتنا في بلدكم أقامت الدنيا ولم تقعدها. كوني أغيب عن العاصمة لمدد شبه طويلة يدفعني أن أكون من الذين لا يغفرون للاستعمار الفرنسي لجعله عواصم البلاد التي احتلها مركزا للنشاط السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي وحتى الرياضي. وماعدا العواصم فالكل يسبح خارج دائرة الضوء. لهذا تجدني لا أطلع على بعض الأمور إلا حين زياراتي للعاصمة التي تكاد تكون زيارات حولية.ومع كل عودة أسمع من الروايات والحكايات الكثير. لعل أهمها هذه المرة هو استياء سفير من غفير كتب عن بلده. وكنت أنا ذلك الغفير. وأما السفير الذي جاءت ملاحظاته لا لتفنيد ما كتبت لأن ذلك من حق سعادته، لكنها جاءت من باب الاحتجاج على ما كتبت فإني أترك معرفته لذكاء القارئ. وكنت أعتقد ولا زلت أن ما كتبت لا يوجد فيه ما يبعث على ردة فعل. وما كتب عن بلد سعادة السفير في الإعلام العربي ويستحق الرد وإثارة الغبار في الساحات العامة كثير. فأنا لم اكتب أو أقتبس على سبيل المثال ما كتبه رئيس تحرير مجلة روز اليوسف الذائعة الصيت في مقالاته النارية العديدة عن بلد سفيرنا المحترم. مقالات عن الفجور السياسي وعن الانقلابات العائلية. ولم اكتب حتى عن إدعاء عادل حمودة (وهو رئيس تحرير روز اليوسف الساب! ق) أن هذا البلد حسب ما كشفه وزير الداخلية المصري حسن الألفي أمام لجنة الشؤون العربية والخارجية والأمن القومي احتضن مؤتمرا دوليا لجماعات إرهابية متطرفة عام 1977 حضره أيمن الظواهري وشوقي الاسلامبولي ومصطفى حمزة وأسامة بن لادن. وكأن عادل حمودة أراد أن يقول أن هذه الدولة كانت راعية للإرهاب في بداياته وأنا طبعا لا أوافقـه على ذلك. ولا أوافق مجلته روز اليوسف حين تصف أمير هذا البلد بأنه الملك لير. لأن الملك لير بطل إحدى مسرحيات شكسبير التي تقوم على الخيانة والغدر في أوساط العائلة الواحدة.

ولم اكتب كذلك ما كتبه الصحافي محمد علي إبراهيم في جريدة المساء المصرية يتهكم فيه من هذا البلد ويتساءل كيف تحول إلى دولة عظمى؟. ويقول أن هذا البلد هو القطر العربي الوحيد الذي ألغى وزارة الإعلام. وحجته في ذلك أن الدول العظمى الكبرى ليست بها هذه الوزارة، وتصوروا أنهم بإلغائها أصبحوا دولة عظمى ؟. لم اكتب هذا الكلام ومستعد لأن أقسم على ذلك. ورغم هذا سمعت أن سعادته مستاء من كتاباتي. وتخيلت درجة غضب سعادته مثلا لو تجرأت وكتبت عن بلده ومساعيها للتطبيع مع إسرائيل. وقد أشتكى وزير خارجيتها دولة عربية حينما قال لمادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها بأن بلاده تحاول أن تفتح علاقات مع إسرائيل لكن أقطار عربية تعوقها عن فعل ذلك. فأنا أعتبر أيام بيانات التنديد والاستنكار من أزمنة الجهاد في تاريخنا العربي طالما أدركنا زمان صار فيه بلد عربي يشتكي بلدا عربيا لأمريكا يتهمه فيها بمنعه من التطبيع مع إسرائيل..! وترفعت كذلك عن الحديث أو الترويج لكتاب سعد محمد النعيمي الناطق الرسمي باسم المعارضة في هذا البلد. وهو الكتاب الذي يتناول فيه حكاية الصراع على الحكم والخيانات الحاصلة. ودبلوماسية الابتزاز التي تمارسها هذه الدولة ضد الدول المجاورة. منها مثلا عملية استدراج قادة حركة حماس الفلسطينية لمساومة الأردنيين عليهم.

ولم أصف وزير خارجية هذا البلد بما وصفته به وسائل إعلامية عربية بأنه صاحب سياسة اللعب بالنيران ويهوى إشعال الحروب الإعلامية والأزمات السياسية العربية. دون أن يدرك أن إشعال النار في السجادة العربية لا بد وأن يطول دولته. وأن هذا الوزير يروج لكذبة جعل بلده دولة عظمى في المنطقة، وكان أول المصدقين لهذه الكذبة. لذا شرع في التنظير والإفتاء في أصول السياسة والاقتصاد. رغم أن هذه الدولة كما علق عليها الإعلاميون المصريون برجالها وشيوخها ونسائها وبغالها وحميرها وجواسيسها وزوارها من الصهاينة وحريم شيخها وغلمانه وخصيانه كلهم لو وضعتهم في حارة من حارات شبرا لظلت الحارة خالية من السكان..!

لم أقل كل هذا الكلام يا سعادة السفير، ورغم هذا بلغني غضبكم. وحزنت لذلك لأنني ظننت نفسي اكتب عن قضايا قومية لا عن نعرات سياسية. رغم هذا أتسع صدري لهذا الغضب لذا تجدني أتحاشى ذكر اسم بلدكم في هذا التعليق. وأعتذر للقراء على هذا التعتيم الذي لم يعهدوه في مقالاتي. لكن الضرورة السياسية تكاد تكون فرض عين في بعض المواضع. وإذا كان ما كتبته شكل إزعاجا لسعادة السفير، وله حق الانزعاج غيرة على بلده. فلنا نحن نفس الحق. ولي أن أسأل سعادته: ماذا عما كتبه صحافي في بلدكم اسمه محمد خليفة ـ وهو بالمناسبة صحفي يكتب في الرياضة كما في السياسة ! ـ في جريدة اسمها الراية تحدث فيه عن الظواهر السلبية في تبادل السلطة في عالمنا العربي وبخاصة الصراع على كراسي الحكم. والمدهش أن الكاتب تجاهل نموذج بلده الحافل بالصراعات بين الأقارب والأعمام والأخوة والأبناء، وراح يعدد نماذج أخرى وصولا إلى النموذج الجزائري أو كما سماه الظاهرة الثالثة والأخيرة المتعلقة بارتفاع منسوب الفساد الإداري والأخلاقي إلى مستوى لم يبلغه من قبل، خصوصا ! من حيث العلانية كما يقول. ورأى هذا الكاتب الهمام أن دعم المؤسسة العسكرية الجزائرية لترشيح عبد العزيز بوتفليقة لمنصب رئيس الجمهورية لا يجسد فساد المؤسسة المذكورة فحسب، وإنما يعكس تحـول الفسـاد إلى شيء ثانوي في مؤهلات المرشحين للحكم، ونوعا من القبول به والاعتراف بمشروعيته.

ألا تشاطرني الرأي يا سعادة السفير أن كاتبكم قد تجاوز ما كتبته أنا عن بلدكم بأشواط حين أتهم المؤسسة العسكرية الجزائرية كراعية للفساد واعتبر بوتفليقة فاسدا. ومن باب اللياقة هنا ألا استشهد بالمزيد مما كتبه هذا الصحافي تدليلا على كلامه. ورغم هذا لم نسمع أن سفارتنا في بلدكم أقامت الدنيا ولم تقعدها. حقيقة أن ملاحظات سعادة السفير بلغتني عبر قنوات خاصة. وكان بإمكانه الرد على الموضوع المنشور، في نفس الصحيفة أو استعمال بريدي الالكتروني. وكان من المفترض أن يكون لي رد فعل عبر نفس القناة، لكنني فضلت أن أخرجه إلى العلن ولو باحتشام لأنني أرفض الكولسة الدبلوماسية لأنها لعبة أكبر مني، رغم تخصصي في العلاقات الدولية. وثانيا لأنني أرفض أن تملى علي طريقة إدارة الحوار المتعلق بما اكتب. لهذا أخاطب سعادة السفير بالقول أنه إذا كان يستحيل علي كجزائري أن أقبل الإيحاء لي بالكتابة من خارج ذاتي فكيف أقبل بهذا الإيحاء من خارج حدودي؟. وإذا كنت لا أجامل الدولة العظمى فيكف لي أن أجامل الدويلة العظمى؟.

وتلك آفة حاولت الإقلاع عنها فلم أستطع…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!