أقواس
الديكتاتور العربي: ما بين فن الرواية وفن الموت
كشفت الرواية الأمريكية -اللاتينية بعجائبيتها وغرائبيتها كثيرا من أسرار شخصية الديكتاتور، وربما قد تكون هذه الشخصية الروائية الغريبة بكل موهبتها في فن الدسائس وفي الممارسات الدموية والخيانات بكل أسمائها ونعوتها والفساد بكل صفاته هي التي رفعت تجربة الآداب في أمريكا اللاتينية إلى مرتبة عالية واستثنائية.
-
ومع ذلك وبالرغم من كل هذه الكتابة السردية والشعرية العالية التي مثلتها نصوص ماركيز وفوينتيس وماريو فارغاس يوسا ونيرودا وبورخيس وغيرهم، فإن كتاباتهم بكل عبقريتها وبكل جنونها وفي كل جنونها لا تستطيع الوصول إلى غرائبية وعجائبية واقع الديكتاتور العربي. الواقع العربي بديكتاتورييه أكثر غرابة وغرائبية من كل تلك الروايات القوية والمدهشة في الآداب الأمريكية اللاتينية والتي أذهلتنا لفترة تزيد عن عشريتين ولا تزال.
-
-
الموت فن كما الحياة أيضا
-
وأنا أتأمل هذه الأنظمة العربية بكل جنونها الملون، أقول لكم هو أدبنا المعاصر بنثره السردي وشعره التقليدي والحداثي أليف وأخرس وأعمى غير قادر، لا يعرف قول عجائبية وغرائبية وجنونية الديكتاتور العربي المعاصر. متأكد لو أن الرواية العربية اكتفت بنقل ما يجري كما يجري في الواقع اليومي السياسي والاجتماعي المباشر دون تزويق أو تحنيط أو تنميق لكانت الرواية العربية أكبر النصوص إدهاشا في العالم. الواقع العربي بدكتاتورياته أكثر فانطاستيك من أي نص متخيل يفترض فيه التحليق والتهويل وحتى الكذب بمفهومه الفني.
-
نهاية الديكتاتور العربي لا تشبهها نهاية أي دكتاتور من دكتاتورات العالم الأكثر دموية. الربيع العربي كشف لنا عن انهيارات غريبة ومسخ لا مثيل له، والديكتاتور العربي يعتقد بأنه أبقى بقاء الخلود، فهو لا يفكر في النهاية، والذين من حوله يوحون له بأنه باق وسرمدي.
-
من منا نحن الروائيين كان يتخيل مشهدا بهذه البلاغة السردية الغرائبية التي لا نظير لها في إنشائنا الروائي: النهاية الكارثية للديكتاتور العربي ممثلا في نموذج حسني مبارك؟ كيف يمكن لمواطن عربي بسيط أن يستوعب هذه الصورة المدوِّخَة: رئيس مصر الفراعنة والذي حكمها أزيد من ثلاثة عقود يساق إلى السجن؟ مثلكم، كأي مواطن من هذا العالم بعربه وبربره وأكراده، مسلميه ومسيحييه وزنادقته، ذُهِلتُ وأنا أتابع نهاية رئيس كان يعتقد بأنه صنو الأهرامات أو أكبرها وهو ينتهي هذه النهاية الروائية الغرائبية التي أخطاتها كتابة روايتنا العربية.
-
لست من الذين ينطبق عليهم المثل القائل: “كي يطيح العجل تكثر السكاكين”، لكني أتساءل بإحساس يتراوح ما بين الحزن والغموض، ماذا كان يقول حسني مبارك وهو يواجه باب السجن وهو الذي عاش في القصور بين الخدم والحشم، الآمر الناهي، الواحد الأوحد؟ الجميع كانوا ظلا لظله.
-
وأتساء أيضا كيف يقرأ، وعلى أي القراءات سيقرأ “الزعماء العرب” هذا العجائبي وهم يشاهدون منظر رئيس كان قبل أيام مركز العالم على بضعة أمتار من باب السجن وقد جاء عليه الدور بعد ابنيه وزوجتيهما؟
-
رسالة إلى السيدات الأُوَل:
-
كيف تقرأ السيدات الأُوَل في العالم العربي منظر السيدة الأولى المصرية، صاحبة مشروع مكتبة الأسرة وصاحبة الحساب البنكي لمكتبة الإسكندرية وهي تقترب خطوة خطوة من باب السجن؟
-
بقدرما أشعر، ربما لأول مرة، بالسعادة للانتماء إلى الشعب العربي في ربيعه الأول، ربيع يزورنا لأول مرة منذ فجر التاريخ، شعور لم أشعر به سابقا، ينتابني شعور مناقض يتمثل في ما يشبه حبة ملح تسد حنجرتي فتتملكني رغبة في البكاء المرير لأنني مواطن ينتمي إلى بلاد يرأسها وعلى مدى أربعة عقود أو يزيد رؤساء يساقون إلى السجن أو يهربون من مواجهة شعبهم أو يختفون كالجرذان من مواجهته.
-
-
الديكتاتور العربي يتفنن في اختيار موت ضحيته ولا يحسن اختيار موته هو
-
أتأمل هذا الانهيار الشامل، هذه الدوخة، أقرأ هذا النص الروائي العربي العجائبي غير المكتوب ولكنه المعيوش فأقول: نعم الديكتاتور يعرف اختيار ضحيته من شعبه ولكنه لا يحسن اختيار موته. يحسن التفنن في اختيار نهاية الآخرين ولا يعرف اختيار نهايته.
-
دون شك لا أحد منا قادر على اختيار موته، ولا معرفة ساعتها، ذلك يدخل في باب القدر والغيب والمكتوب والديكتاتور، لكننا جميعنا قادرون على اختيار أخلاق موتنا. إن الموت فن كما الحياة فن. ومن يعرف كيف يعيش حياته بفن يموت بفن أيضا. وأول أولئك الذين يجهلون فن الموت أو الموت بفنية هو الديكتاتور، لأنه لم يعرف عبور الحياة بفن. فنهاية الديكتاتور تكون مأساوية دائما على حجم حياته التي هي ترقيع وتخييط لمآسي الناس.
-
-
ختاما
-
لقد كتبت مرة، وفي هذه الجريدة، موجها خطابي إلى الرؤساء العرب قائلا: إقرؤوا الروايات فهي أصدق وأأمن وأدق في نقلها صورة شعبكم من تلك التقارير الكاذبة التي تقدمها لكم حاشيتكم أو بطانتكم.
-
واليوم أقول لما تبقى من الرؤساء والملوك العرب: إقرؤوا الرواية الأمريكو -لاتينية، إنها في تصويرها للدكتاتور قادرة أن تكون صادقة معكم في رسم بعض ما يخفيه المستقبل عنكم.