الذاكرة في زيارة ماكرون.. تأكيد جزائري وتغييب فرنسي
يشغل ملف الذاكرة اهتمام الجزائريين خلال الزيارة التي يؤديها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى الجزائر، بداية من الخميس، في الوقت الذي تطمح فيه باريس لبناء علاقات مع الجزائر “تغيب فيها الذاكرة ويحضر فيها الاقتصاد والتجارة”.
ويجزم مؤخرون وناشطون، تحدثت إليهم “الشروق”، أن الأجندة الرسمية لماكرون تحمل “بعدا اقتصاديا على حساب ملف الذاكرة”، مع الإقرار بوجود صعوبة بالغة في “تحقيق مصالحة بين البلدين في هذا الجانب”.
ويؤكد المؤرخ محمد القورصو أن زيارة ماكرون فرضتها “الظروف الدولية ومن ذلك الحرب الروسية الأوكرانية، علاوة على مستجدات على الساحة الداخلية الفرنسية ووجود برلمان متعدد الحساسيات”، مشددا على أنه أمام “فرصة ذهبية لتسجيل اسمه وإنقاذ فرنسا من العيب والعار التاريخي الذي يلاحقها”.
ويقر القورصو الذي ترأس جمعية 8 ماي 1945 بصعوبة مُضي ماكرون في مسألة الاعتراف بمجازر فرنسا قائلا: “من الصعب اتخاذ موقف متقدم من مسألة الذاكرة، لكن الشجاعة السياسية وإنقاذ فرنسا من العبء يتطلب منه موقفا تنتظره الجزائر”.
ويتوقف القورصو عند نقطة تجعل من ماكرون “متحررا” في مواجهة دعاة “الجزائر فرنسية” واليمين المتطرف، كونه أنه في عهدة ثانية ولن يستمر في منصبه بعد انقضاء عهدته، لذلك “يمكن أن يفصل في القضية بشكل قوي”.
بالمقابل يشير القورصو إلى “وجود جهات قوية تعترض طريق ماكرون أهمها اليمين المتطرف إضافة إلى اليمين التقليدي”، وهنا يشدد المتحدث على أن “الأفضل له أن يمضي في هذا الخيار كما فعلت دول تجاه مستعمراتها السابقة، وآخرها بريطانيا التي أعادت مسروقات إلى الهند”.
ونبه القورصو إلى ضرورة ان يعي ماكرون أن مسعى ترميم العلاقات مع الجزائر وبناء مرحلة جديدة، يجب أن يتم وفق “الندية والاعتراف أن الهوية والذاكرة والتاريخ غير قابلة للمساومة على الإطلاق”.
ومن جهته، يعتقد صاحب مقترح مشروع تجريم الاستعمار البرلماني السابق، موسى عبدي، بإمكانية تحقيق الجزائر نقاطا لصالحها في مسألة الذاكرة، انطلاقا من المواقف التي عبَر عنها الرئيس عبد المجيد تبون .
ويقول عبدي لـ”الشروق” إن “ملف الذاكرة طغى كثيرا على علاقات البلدين منذ تقديم مقترح تجريم الاستعمار للبرلمان في 14 جانفي 2010، وعاد الملف إلى الواجهة منذ مجيء الرئيس تبون الذي تحدث كثيرا عن مسألة الذاكرة والتاريخ”.
ويشدد المتحدث أن إقامة علاقات هادئة مع فرنسا لا يمكن أن تكون على حساب الذاكرة، ونبه إلى أن “التاريخ حجر الزاوية في العلاقة مع فرنسا”، مؤكدا على وجود تيار جزائري يدافع عن الذاكرة الوطنية ضد جهات فرنسية تدافع عن رؤيتها للتاريخ وقلب الحقائق.
ومن جانبها، تجزم الحقوقية فاطمة بن براهم أن زيارة ماكرون للجزائر “اقتصادية بالدرجة الأولى”، والذاكرة ليست اولوية عنده، مؤكدة أن عبوره نحو وهران ليس عفويا، لأن الطرح الفرنسي يزعم أن جيش التحرير الوطني قتل فرنسيين بوهران قبيل الاستقلال، رغم أن عصابات منظمة الجيش السري هي التي ارتكبت تلك الجرائم، متسائلة “لماذا لم يختر زيارة سكيكدة التي أحيت قبل أيام جرائم 20 أوت 1955؟”.
وقالت بن براهم إن ماكرون يسعى لعقد صفقات لإنقاذ اقتصاد بلاده، متوهما أن “العهد السابق لا يزال مستمرا”، ولو أراد تحقيق مصالحة في مسألة الذاكرة لقام بخطوات الرمزية، مثل إعادة “مفاتيح الجزائر” ومدفع بابا مرزوق.