الرأي

الذكرى المئوية لجهاد الأوراس في عام 1916

ح. م

أمران لم تكذب فيهما فرنسا التي سماها بعض أبنائها “الدولة الكاذبة”، وقال عنها ابنها ألبير كامي بأنها “دولة الخطيئة في التاريخ”.

هذان الأمران هما:

أولا: الجرائم التي ارتكبتها في الجزائر، وهي جرائم كثيرة، ومتنوعة، لم ينج منها ميدان من الميادين، وهي جرائم مستمرة، لم ينقطع أثرها إلى اليوم، وأخطرها وأبشعها هؤلاء “القردة” التي تركتهم وراءها لمواصلة جريمتها الكبرى، التي سماها الإمام عبد الحميد بن باديس جريمة “الموت الفكري”.

وقد شهد كثير من الفرنسيين – مسئولين وغير مسئولين- عن هذه الجرائم التي جعلت جيرار دوبار ديو يقول: “إنني أشعر بالعار لكوني فرنسيا”، بينما نرى بعض “كبار مسئولينا” يحضنون أبسط المسئولين الفرنسيين ويمطرونهم بوابل من القبلات..

وإنني أؤكد أنه لو وضعت جرائم فرنسا في الجزائر في كفة ووضعت جرائم جميع الدول الاستعمارية في كفة لرجحت كفة الجرائم الفرنسية في الجزائر كمّا وكيفا.. ولهذا فأنا أدعو الله –عز وجل- أن يجعل آخر كلامي من الدنيا قبل “الشهادة” التي ألقاه بها هو “لعن فرنسا”.

بل إنني، وكل جزائري أصيل، على مذهب الشيخ الشهيد العربي التبسي، المجهول القبر، هذا المذهب القائل: “إننا سنحمل عداوة فرنسا في قلوبنا إلى القبر”.

ثانيا: الجهاد الرائع الذي واجه به شعبنا المجيد فرنسا.. وهو جهاد استمر طيلة وجود فرنسا في هذه الأرض الطاهرة التي نجستها بالخمور والفجور، ليخلو لها وجه الجزائر.. رغم أن بعض كبار مسئولي فرنسا أكدوا استحالة بقاء فرنسا في الجزائر، ومنهم الجنرال بيجو الذي أكد أنه “شئنا أم أبينا لابد أن نغادرها – الجزائر- مهما طال الزمان أو قصر”. (شارل أندري جوليان: تاريخ الجزائر المعاصرة. ج1. ص300).

ويكفي دليلا على هذا الجهاد شهادة “الموسوعة الإمبراطورية” الفرنسية الرسمية، الصادرة في منتصف أربعينيات القرن الماضي.. فعلى الجزائريين بقدر ما يتألمون لما أصاب آباءهم وأجدادهم ووطنهم، أن يفاخروا غيرهم بأمجاد هؤلاء الآباء والأجداد، الذين نقلوا جهادهم الأخير 1954-1962 إلى أرض العدو نفسه، وجعلوا هذه الأرض “ولاية سابعة”. مما جعل فرنسا تولي الأدبار، وتتدثر بالخزي والعار.

ولا بأس أن أفتح هنا قوسا لأشير وأنبه وأحذر من المؤامرات التي تحاك سرا وعلانية ضد مادة التربية الإسلامية التي تعلم أبناءنا الجهاد الحقيقي الشرعي، لا “جهاد داعش” وأمثالها، وضد مادة التاريخ التي تعلمنا –مما تعلمنا- جرائم فرنسا..ألم يخرج “أبناء فرنسا” في الجزائر أبناءنا إلى الشوارع والساحات لينادوا: “التاريخ إلى المزبلة”.

إنه لا يخشى هذا التاريخ المجيد إلا “الحركى” وأبناؤهم.. والصفات الأخلاقية والإيديولوجية تورّث كالسمات البيولوجية.

لقد علمنا أساتذتنا – عليهم الرحمة والرضوان- أنه إذا كانت الجغرافيا جسدا فإن “التاريخ روح”، وهل يحي جسد من غير روح، يا من لا “روح” لكم؟ تستغفلون الناس بدعواكم إلى قيمة “التسامح” كما يفهمها الفرنسيون، ونحن الذين علم أجدادنا العالم التسامح.. ولكن هل من المروءة في شيء أن نتسامح مع فرنسا التي تحتفظ إلى اليوم بجماجم شهدائنا، وتعرضها في متاحفها؟

إنني أرى أن من تمام إيمان كل جزائري أن يؤمن بعداوة فرنسا، إلى أن تعتذر رسميا عما ارتكبته في الجزائر.. أو تطلع الشمس من مغربها.

لا أهداف من هذه الكلمة إلى الخوض في تفاصيل جهاد أجدادنا في الأوراس في عام 1916 بمناسبة مرور قرن على ذلك الجهاد.. ومن أراد شيئا من التفصيل عن ذلك الجهاد فليرجع إلى كتاب الدكتور عبد الحميد زوزو، ولكنني أهدف إلى “تحريك السواكن” و”تنبيه الغافل”، كما يقول الأمير المجاهد عبد القادر، و”هز نفوس الجامدين”، كما يقول الإمام المجاهد عبد الحميد بن باديس ..وإلى “تحرير التاريخ” كما كتب محمد الشريف ساحلي..

إن لهذا الجهاد أسبابا مباشرة وغير مباشرة، كتجنيد الجزائريين في الحرب العالمية الأولى، وأخذهم للعمل في فرنسا لصالح المجهود الحربي، والاستلاء على الأراضي، وفرض الضرائب.. ولكن أول سبب وأدومه هو وجود فرنسا في الجزائر.

وإن من عدم مروءة فرنسا أن تستخدم غير أبنائها في بناء “مجدها”، كألمانيا التي لم تستعن بغير أبنائها.

هناك ملاحظة أشار إليها بعض المؤرخين وهي أنه إذا كان الجهاد سابقا دعا إليه وقاده بعض شيوخ الزوايا، فإن جهاد 1916 لم يدع إليه أي شيخ زاوية أو يقده.. مما يدل على أن مبدأ الجهاد متأصل في نفسية الشعب الجزائري كتأصل “روح المسيحية في فرنسا” كما يقول جنرالهم دوغول، الذي كذب عندما قال: “هناك عهد عمره عشرون قرنا بين عظمة فرنسا وحرية الآخرين”. (أندري مالرو: سقوط السنديان. تعريب: سامي الجندي. ص 87 وص 136).

رحم الله شهداء الجزائر من أول شهيد سقط في الجهاد ضد فرنسا إلى آخر شهيد.. الذي لمّ يستشهد لحد الآن، لأن شهداء جرائم فرنسا ما يزالون يسقطون إلى الآن، رغم تقبيل بعض “مسئولينا” للمسئولين الفرنسيين ذكرانا وإناثا، ولو كانوا شيوخ بلديات.

مقالات ذات صلة