الذين يخنقون الجمال والفرح
عندما تنام كثير من الزهرات في أغصانها تتمايس ذات يمين وذات شمال، فتوزع أنفاسها العطرة تشيع في المكان شذى عطرها الندي.. تنتظر الصباح وما يحشده على عتباته من زقزقة العصافير وانتشاء الأرض فرحا بأشعة تتسرب من ثنايا الوهاد والجبال لتملأ النفس طمأنينة بأن الليل انقضى كما ستنقضي كل النكبات والمآسي.. حينذاك نشعر بأن الحياة خلقت بالجمال وللجمال.
في آيات الله الخالدات سواء المنشورة في هذا الكون أو المسطورة في كتابه الكريم تبرز أهمية الانتظام والتوازن والاجابات المدققة والقاطعة على التساؤلات المبعثرة الحائرة.. يبرز الجمال المفيد والايجابي في تتبع السنن والقوانين وفهم الظواهر والأشياء وعلاقة الجزء بالكل والبعض بالبعض.. في هذا كله نكتشف كم هم مساكين أولئك الحيارى الذين لم يبلغوا الهدى وكم هم أشقياء أولئك الذين استسلموا للعجز والدعة فلم يتابعوا رحلة البحث عن أنفسهم وأبعادها وصلاتها بالكون في كل اتجاه وتدبر عظمة النواميس والسنن الفاعلة، بحيث يطمئن الفؤاد أن هناك نظام دقيق وضع في الحياة يضبط إيقاعها ونكاد نستمع إلى صوته الواثق الحازم.. هذه النواميس والسنن في كل شيء يخص الحياة لا مجال للفوضى والعبث وهي بارتباطاتها ببعضها ترفع العقل وتسمو به ويحمل الروح إلى عليين.
يختصر البعض كل هذا المبثوث في كتاب الله المنشور وكتابه المسطور فلا يرون إلا لون الدماء القانية تجري على الأرض التي تصرخ بهم، ولا يغريهم إلا جري السكين على رقاب الأدميين بانتشاء كسر كل حدود الانسانية.. يختصر هؤلاء المعرفة والثقافة بأقوال رجال مشوهين في أرواحهم، مبعثرين في ضمائرهم، فلا يروا في الدين إلا أحكام القتل والتفسيق والتكفير والاتهام في النوايا ولا يرون في الكون إلا أنفسهم فلا علاقة لهم بشمس أو قمر ولا بأرض أو بحر، إنما هي الشرور تنسج لهم خيالات مريضة وينصبون أنفسهم بسفاهتهم في محل الفتيا والأمر والنهي.. هؤلاء لا يرون في الدنيا إلا أن يلوحوا بسيوفهم الضالة ويهددوا أمن عباد الله ويشوّهوا معالم الحياة فيدمرون ما أنتجته عبقرية الانسان من فنون وآداب.. وهم في عملية تعويضية مرضية يتصورون ويصورون أن لهم حور العين والولدان، وسوى ذلك مما فهموه خطأ في الجنة بعد ان تقوم الساعة ويفصل الله في الخلق..
أنهم يقتلون الحياة ويخنقون الهواء ويدوسون على خدود الورد ويفجرون شرايين الأطفال المحملة نقاء وأمنيات.. إنهم يتطاولون على مقام الله العلي العظيم فيحرقون بالنار ويسنون قوانين للقتل يجزمون بالظن ويدعون القطع بالنية ولا يفرحهم إلا ضلال الناس وزيغهم لتصبح لديهم الفرصة على الاعدام بالقول والفعل.
نحن بين ثقافتين متصادمتين.. ثقافة الفرح والتفاؤل والحياة والأخوة الانسانية والتعاون والتدبر والتأمل والتمتع بأنعم الله، والترفع عن كل ما هو قذر وثقافة الحرق والقتل والتخوين والأحقاد والتهم والتنطع والغباء والتمظهر والإفتآت على الله.
في هذه المعركة لابديل عن الصمود للشرفاء ولا بديل عن التقدم للمناضلين الرواد لإزاحة ظلام الليل وإخراج الشمس من مخبئها تبث الدفء والفرح والحيوية ومجالات الرؤية لكل ماهو جميل.. تولانا الله برحمته.