الراحل طه العامري.. رحلة نصف قرن من الثورة والفن
رجل فنان ومجاهد.. صفات لا تجتمع إلا نادرا في شخص واحد، هو الفنان الراحل طه العامري، الذي ألفه الجمهور منذ عشرات السنين، لكنه رحل مؤخرا في صمت الشجعان، بعد مسيرة قضاها في المسرح والتلفزيون.. وحتى وإن لم يكن على الخشبة، كانت مهنته المسرح، يديره ويطوره.
الشروق العربي، تروي سيرة رجل مسرح ومجاهد، صنع من الفن ثورته كي يحارب بموهبته مستعمرا يدعي أنه قدم كل الفنون، غير أن الفن الوحيد الذي أبدع فيه هو القتل.
اسمه الحقيقي عبد الرحمان بسطانجي، من مواليد 20 أوت 1927 بحي القصبة الشعبي، في أعالي الجزائر العاصمة.
اكتشف عبد الرحمان في سن الـ 10 لأول مرة المسرح، من خلال متابعته رفقة والده لمسرحية هزلية للمرحوم رشيد قسنطيني.
في بداياته، حظي طه العامري بإشادة العميد محيي الدين بشطارزي في مذكراته، حيث وضعه مع عباقرة المسرح، مصطفى كاتب وعبد القادر علولة في درجة واحدة.
ناضل طه العامري في حزب الشعب الجزائري، تعلّم الفن الدرامي على يد أبي المسرح الجزائري، محيي الدين بشطارزي، إلى جانب رفيق دربه، حبيب رضا، والشهيد مجيد رضا والفنانة الراحلة كلثوم وفقيد السينما حسن الحسني.
اختار الممثل اسمه الفني صدفة في جلسة فنية؛ حيث كان الفنانون المبتدئون يختارون أسماء فنية مستعارة.
في عام 1947م بدأ بسطانجي مشواره الفني، وشهدت السنوات اللاحقة أداءه لعدة أدوار خالدة، مثل عطيل والخالدون وصلاح الدين الأيوبي.
من جهة أخرى، انتسب كممثل محترف عام 1949 ضمن الفرقة التابعة لحركة انتصار الحريات الديمقراطية، التي كان يشرف عليها محمد فراح، المدعو الرازي. وكانت تضم حسن الحسني وعبد القادر السافري والطيب أبا الحسن وغيرهم
ولأنه لم يكن فنانا عاديا، بل حامل قضية حرية، راح ضحية الرقابة الفرنسية الشديدة؛ فبمجرد استعمال كلمة حرية تقوم السلطات الاستعمارية بتوقيف عروضه.
الفن باسم الثورة
كان الفقيد طه العامري من مؤسسي الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني، التي أنشئت بأمر من القيادة العليا للثورة في فيفري 1958 بتونس، حيث ارتكز دورها الطلائعي ومهمتها الرئيسية في التعريف بمقاومة ونضال الشعب الجزائري.
وضمت أسماء ثقيلة في الفن، مثل مصطفى كاتب، عبد الحليم رايس، أحمد وهبي، حسن الشافعي، حيث اشتغل الجميع على نصوص لعبد الحليم رايس في تونس الشقيقة، لترى مسرحيات كثيرة النور، منها أولاد القصبة، دم الأحرار، الخالدون، التي حققت نجاحا منقطع النظير.
الكفاح يستمر
مباشرة بعد الاستقلال، التحق الممثل المسرحي بالمسرح الوطني الجزائري، وشارك في عدة أعمال، قبل أن ينسحب ويلتحق بالمسرح الإذاعي؛ حيث اقترح عليه الأديب الراحل عبد الحميد بن هدوقه، أن يؤسس لفرقة فنية، برئاسة الحبيب رضا.
عمل بسطانجي كممثل ومخرج ومسؤول إنتاج، وواظب على تقديم 3 مسرحيات أسبوعيا (اثنتين بالدارجة وواحدة بالفصحى)، وتواصلت المسيرة حتى سنة 1972، ليعود إلى بيته الأول المسرح الوطني مديرا، خلفا لمصطفى كاتب من 1972 إلى 1975 ثم إلى التلفزيون مديرا للبث التلفزيوني عام 1976، ليحال على التقاعد.
ارتبط عيد ميلاد طه العامري بالذكرى المزدوجة لهجوم الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، ومؤتمر الصومام في 20 أوت 1956.
كان يقول عن هذه الصدفة الجميلة: “لم أكن أتذكر يوم ميلادي، كنت أتذكر الأيام التي قبله أو بعده؛ لست أدري لماذا، لكن منذ أحداث 20 أوت 1956 صرت أتذكره رغما عني؛ لأنه ارتبط بتضحيات أبناء وطني”.
الممثل والمجاهد توفي يوم 3 سبتمبر 2024 عن عمر يناهز 97 سنة، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.