الرأي

الرايات الكاذبة لقتل العرب بالعرب

حبيب راشدين
  • 2908
  • 6

استعداء أهل غزة وتصنيفهم كما صنفهم الصهاينة، ثم توجيه أول ضربة جوية مصرية خارج الحدود منذ 32 سنة لترهيب شعب عربي جار، هو حتما سلوك لا يغضب اليهود ولا النصارى، قد يعيد لمصر دورا وظيفيا كحارس بوابة، لكنه حتما لن يعيد لها دورها القيادي، في عالم عربي لم يعد يطالب حكامه بقتال الصهاينة، وقد يرضى بوقف تقتيل العرب للعرب.

الطرف الذي أوحى لـداعشبذبح الأقباط المصريين بوحشية كان يراهن على ردة الفعل المصرية التي جاءت كما أراد: متسرعة، بلا أفق سياسي أو استراتيجي، غير منتجة، لا على مستوى تأمين الجالية المصرية في ليبيا، ولا على مستوى تعزيز موقع الطرف الذي تدعمه مصر، ولا من جهة حفظ خطوط الرجعة مع الأطراف الإقليمية المعنية بالملف الليبي وعلى رأسها الجزائر، وهي فوق ذلك تمنح المياه لطواحين الغرب التي تطحن سيادة الدول بحجة استهداف بؤر الإرهاب.

قد يتفهم بعضنا حاجة القيادة المصرية ـ المتهمة غربيا وأمريكيا بجريمة الانقلاب على الشرعية ـ إلى مغازلة خفية للغرب، تريد أن تسوق حالة من الاستعداد المصري للمشاركة في حروبه علىالإسلام المتطرفوحاجتها إلى طمأنة الحلفاء الخليجيين على استعداد الجيش المصري لنقل المعركة خارج حدود مصر عند الحاجة، كما تستبطن الضربة تحذيرا لجارين متهمين بدعم الإرهاب ضد مصر، وأعني بهما السودان، وتحديدا قيادة حماس في غزة، التي ينبغي لها أن تتوقع كل شيء من نظام قد صنفها كما يصنفها الكيان الصهيوني كجماعة إرهابية.

استباحة الجيش المصري لأجواء بلد جار، وشعب شقيق، لا تختلف كثيرا عن استباحة الولايات المتحدة لسيادة العراق، والصومال، واليمن، وسورية، أو تختلف عن الصلف الصهيوني في اعتداءاته على سيادة لبنان وسورية، وعدوانه الموسمي على غزة، وسوف تفتح القمقم الذي تنطلق منه العفاريت في مشارق العالم العرب ومغاربه، وليس بعيدا على جهات استخباراتية ان تنظم عمليات تحترايات كاذبةيذبح فيها سعوديون في اليمن، او مغاربة في الجزائر، أو جزائريون في المغرب، لتفجير حروب بين ما بقي من الدول العربية التي عفا عنها مسار السحق والطحن الجاري على قدم وساق.

وإذا كان للهجوم المصري الانتقامي ما يبرره من الجهة الإنسانية، أو حتى السياسية، فإن هرولة مصر إلى مجلس الأمن، طلبا لغطاء وتحالف دوليين، مع شريك فرنسي كان وراء مأساة الشعب الليبي، هو الخطيئة التي لا يمكن للنظام المصري تبريرها أمام الرأي العام العربي، والمغاربي منه تحديدا، خاصة وأن النظام المصري الجديد قد برر الانقلاب على حكم الإخوان بحجة مواجهة التآمر الأمريكي الغربي على مصر في أحداث يناير، فكيف لطرف متآمر بالأمس القريب أن يتحول إلى حليف مؤتمن، يمكن للجيش العربي المصري ان يقاتل إلى جنبه داخل أرض عربية، وترويع الشعب الليبي المكلوم، بحرب يعلم الجميع أنها سوف تدوم سنوات، ولن تميز بين الصالح والطالح، في بلد قد هدمالنيتوفيه مقومات الدولة.

والحال هل كان بيد القيادة المصرية خيار آخر غير هذه القفزة المتهورة نحو المجهول؟ سؤال كان ينبغي للعرب ان يطرحوه ألف مرة قبل هذا الحادث، وتحديدا منذ حرب الخليج الثانية، حين غرر بهم، وزج بهم لضرب العراق: بوابة العرب الشرقية، ودرعهم ضد أطماع الفرس، ثم حين حرك الشغب في شرق ليبيا تمهيدا لتنفيذ حملةالنيتووتكرر السيناريو في سورية، بوابة العرب الشمالية ودرعهم ضد اطماع العثمانيين الجدد.

في جميع هذه المآسي، كان بوسع العرب تسوية خلافاتهم الداخلية بموقف موحد مدعوم بالقوة، كان سيمكنهم من إقناع المرحوم صدام بالتوقف عن تنفيذ خطيئة غزو الكويت، وحمله بالقوة الصلبة ـ إن اقتضى الأمر ـ على الرحيل تحت غطاء بند الدفاع المشترك في ميثاق الجامعة، كما كان بوسعهم مساعدة الأشقاء في ليبيا وسورية على تسوية نزاعاتهم الداخلية بطرق سلمية، ومازال بوسعهم تدارك ما فاتهم سواء في سورية، أو ليبيا، أو في اليمن.

على المستوى السياسي الصرف، كان بوسع القيادة المصرية الجديدة، وهي تبحث عن استعادة الدور القيادي المفقود منذ رحيل الزعيم عبد الناصر، في عالم عربي يتفكك، كان بوسعها أن تغتنم هذا الحدث الإجرامي المنكر، للدعوة إلى قمة عربية عاجلة تبحث في بناء توافق عربي على سياسة موحدة، تعمل على وقف مسار الانهيار والتفكك، وتواجه العبث الغربي بأمن العرب القومي، بتوظيفه المنهجي للمجاميع الإرهابية، التي هي صناعة غربية صرفة، ثم البحث في امكانية تشكيل قوة ردع عربية كاملة التفويض للتدخل ضد المجاميع الإرهابية حيثما وجدت، دون الحاجة إلى ترخيص من هذه الشرعية الدولية المتآمرة على العرب، خاصة في حالات شبيهة بما هو حاصل في ليبيا تكون الدولة الأهلية فيه غائبة أو معطلة.

 

لم يعد مطلوبا من الدول العربية تسخير قوتهم العسكرية لقتال الكيان الصهيوني، الذي وجدت من أجله الجامعة العربية وحرر لأجله ميثاق الدفاع المشترك، لكنهم حتما مطالبون بمنع تفاقم هذا الانهيار المتسارع للكيان العربي، الذي نقل فيه الصراع العربي الصهيوني إلى صراع عربي ـ عربي، يقتل فيه العرب تحت ألف راية كاذبة، وجهاد فاسد، وحرب خاطئة بوسائل خاطئة، على إرهاب لن تهزمه الجيوش، بقدر ما يهزمه حتما استعادة العرب للحد الأدنى من التضامن بين دولهم وشعوبهم، واستعادة نخبهم للوعي بالعدو الحقيقي للعرب الذي يأتي دائما من الشمال الغربي الصليبي منذ خمسة عشر قرنا خلت.

مقالات ذات صلة