الربيع الإفريقي
لا أحد صدّق أن عاصفة الصحراء التي هبّت بأمر أمريكي على العراق كانت لأجل تحرير الكويت، ولا أحد صدّق أن غزو العراق وافغانستان كان لأجل تحرير شعوب المنطقة من ديكتاتورية صدام حسين وظلامية طالبان، ولا أحد سيصدق أيضا أن تدخل فرنسا في مالي والصومال هو لأجل إنقاذهما من الإرهاب والجوع، فالكل صار مقتنعا أن الاستعمار الكلاسيكي التقليدي أقل خطرا من الاستعمار الحالي، الذي يجعل بلدا مثل الولايات المتحدة يسافر ملايين الكيلومترات لأجل تنحية رئيس دولة لا تجمعها بالولايات المتحدة لا اللغة والدين ولا التاريخ والجغرافيا، ويجعل بلدا مثل فرنسا تقطع الفيافي لإعلان حرب قد تكون مدّتها الزمنية بعدد سنوات حرب افغانستان، حيث سكنت أمريكا هناك وقد لا تخرج نهائيا، وستسكن فرنسا أيضا في الساحل الإفريقي وقد لا تخرج أبدا، في أقسى وأمرّ استعمار تشهده البشرية، لأنه يتم تحت غطاء أممي شرعي، يتحول فيه المفعول به إلى خارج عن القانون، إن دافع عن نفسه، والفاعل “فاعل خير” يحق له سبي النساء وأكل الثروات، وتصبح دول الجوار مأمورة، تتابع وتصمت وأحيانا ممنوع عنها حتى متابعة الأحداث، وكما تحوّلت دول الخليج العربي في العدوان على العراق إلى مطارات وموانئ وربما بنزين ومال للزاحفين على بلاد الرافدين، تحولت الجزائر وغيرها إلى اجواء تُبحر عبرها الطائرات العسكرية الفرنسية كما أقرّ بذلك وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، ولم يقل وزير خارجيتنا شيئا.
وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة أكبر ترسانة حربية في العالم، والتي اكتوت بنار الإرهاب، قد عجزت عن تحريك شعرة من هذا المارد، بدليل أن جنودها مازالوا يُحرقون بالنار في افغانستان، فإن القول أن فرنسا ستقضي على الإرهابيين في الساحل الصحراوي أشبه بنكتة لا أحد في فرنسا يصدقها، وما نخشاه أن تُبعثر فرنسا الإرهاب على مختلف البلدان التي تحدّ مالي كما فعلت الولايات المتحدة في افغانسان والعراق، وأشعلت بعضها بما يسمى الربيع العربي الذي أخذ أبعادا فوضوية في الكثير من البلدان، وقد يكون “الربيع الإفريقي” أكثر قتامة بسبب خصوصية المنطقة وتواجدها بين النار والحديد.
وما يؤكد ان النهايات ستتشابه بتشابه البدايات، هو دعم واشنطن ولندن للعمليات الحربية الفرنسية في مالي، الذي جاء ليؤكد أن الثالوث الذي دعم دائما إسرائيل، اصبح مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى البقية بالسهر والحمى، رغم قناعتنا أن الوجع والسهر الحمى إنما تكتوي به الدول المستهدفة من هذا الثالوث.
فرنسا الآن في مالي، ولا يهم إن كانت مهمومة بإنقاذ القارة من الإرهاب أو لحماية رعاياها، أم لحماية مناجم اليورانيوم، أم لإكمال ما قام به المرتزق الشهير “بوب دينار”؟ المهم أنها هناك ترسم الخارطة كما تريد، وحركة أنصار الدين وحركة تحرير أزواد والدولة المالية كلهم خارج طموحات مالي، وإذا كان المشهد حاليا هو نار ودم وتقارير صحفية فيها الكثير من المغالطات، فإنه لا أحد بإمكانه أن يعطي صورة تقريبية للمشهد القادم، اللهم إلا الفوضى وتمكّن الجميع من السلاح للبننة المنطقة وأفغنتها، ولكن على الطريقة الإفريقية، حيث سيكون الموت رغيف جميع الناس؟