الربيع العربي يقاضي الحرية!
لا يريد الوضع في سوريا أن يتوقف عن حصد مزيد من الأرواح، كما أن الربيع العربي الذي افتخرنا به جميعا، وهللنا له عقب سقوط مجموعة من الطغاة العرب انتهى إلى كارثة حقيقية، وقد لا نجد مبرّرا واحدا يجعلنا نقول بأن الربيع هو المتهم الأول والوحيد، ولكن من استعملوه لغير أهدافه الواضحة وانحرفوا ببوصلته من تحقيق طموح شعبي بريء بالحرية والعدالة والكرامة، إلى دفع فواتير سابقة ولاحقة لعواصم غربية وأخرى عربية متواطئة، هم من يستحقون المحاسبة والإدانة!
لا شك أن اليوم الذي سيرحل فيه بشار الأسد، عن المشهد سيأتي عاجلا أو آجلا، ولكن بعد ماذا؟ هل قُدّر للعرب أن يعيشوا مخيّرين بين دكتاتورية مقيتة، تقتل من أجل أن تحكم، أو بين ديمقراطية مشوّهة، تقتل من أجل أن تغيّر؟
وهل يمكن القول فعلا بأن التغيير الديمقراطي قد تحقّق، وأن الثورة نجحت في حال إسقاط بشار الأسد أو قتله؟ فماذا إذا عن كل تلك الدماء التي سالت والأرواح التي أزهقت والاستقرار الذي ضاع، والوطن الذي انقسم والوحدة التي تشتتت والشعب الذي هُجّر، والنساء اللواتي اغتصبن؟
لابد من اليوم أن نغيّر وصف الربيع العربي ليصبح موسم التغيير الدموي، هو الأكثر ملائمة لما نعيشه في العديد من المناطق العربية والتي فارقت الاستقرار بعدما كانت أصلا لا تشعر به، في ظلّ أنظمة دكتاتورية مستبدة ظالمة، ولكنها فارقت الاستقرار المزيّف والمشروط، لتعيش في أتون حرب مستمرة لا تريد أن تتوقف، كما أن الخوف من الآتي في سوريا أبشع بكثير مما تعيشه حاليا، في ظلّ تحول هذا البلد إلى ساحة مفتوحة للحروب المخابراتية وتصفية الحسابات وتداخل مصالح الأقليات، وبحث الجميع عن الانتقام من سوريا البلد وليس سويا الأسد!
سقط بن علي والقذافي ومبارك وصالح، ولكن بقيت تونس ومصر وليبيا واليمن تتصارعها المصالح الغربية والخلافات الداخلية وأشباح الحروب الأهلية، لا بل إن بعض الحكام الجدد الذين أتت بهم ثورات الشارع وأدخلتهم القصور بعدما أخرجتهم من غياهب السجون، تفوقوا باسم الديمقراطية في ملاحقة معارضيهم أكثر من المستبدين السابقين، بشكل جعل من الربيع العربي يقاضي الحرية في كثير من تلك الدول، كما أن السقوط المتوقع لبشار الأسد، سيدفع لا محالة بسوريا إلى مزيد من الاقتتال والفتن وسفك الدماء.. وحتى إن قال البعض أن جميع الثورات عبر التاريخ انتظرت وقتا طويلا من أجل تحقيق التغيير السلمي والبناء الديمقراطي، فإننا نتكلم هنا بحُرقة عن الأجيال الحالية التي قُدّر لها أن تنتقل من سلطة ظالمة واستبداد لا يرحم، إلى ثورات لا تُغيّر بقدر ما تلتهم صانعيها وتمنح مفاتيح الدول لخصومها!