-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الربيع السلفي: سلطة النص وحظوة السلطة

الشروق أونلاين
  • 2309
  • 9
الربيع السلفي: سلطة النص وحظوة السلطة

لا يكاد يدخل المرء مساجد مدننا الشمالية إلا وأحس بالغربة بفعل ما دخل على الصلاة من حركات غريبة، دأب عليها شبان العصر الذين يغلب عليهم التديّن الجديد. فهذا يبالغ في ملاصقة رجليه بأرجل من بجانبه، وذلك يتفل أثناء الصلاة عن يساره طاردا الشيطان والوسوسة، وآخر يهرول إلى أعمدة المساجد بعد تسليم الإمام باحثا عن السترة ليتحول المسجد إلى مساحة شطرنج، وغيره يلتف حولك ليجعلك سترة له، وغيره يفتح أرجله محاولا تحويل أصابع قدميه كلها نحو القبلة ليتخذ بذلك هيئة رياضية معروفة في المصارعة.

أما على المنابر فلا تكاد تسمح بداية خطبة إلا وبدأ بها الخطيب بالبخاري ومسلم أو أتبع الحديث النبوي بمصطلحات يجهلها معظم الحاضرين كأن يقال “صحيح على شرط البخاري”، أو “متفق عليه”، أو “رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين”، وغيرها من المفاهيم التي تتحول إلى طلاسم لدى رجل الشارع، الذي لا يملك إلا الإذعان والتصديق والتقديس. كما يعمد البعض إلى ابتداء الخطبة بأحاديث الصحيحين أو تصحيحات الألباني وتقديمه أحيانا على الآيات القرآنية حتى يكاد يصدق عليهم وصف البخاريين في مقابل فرقة القرآنيين الجديدة التي تضع الكثير من مرويات السنة محل تشكيك من فرط مواجهتها للتيار السلفي الحديثي.

من المؤكد أن خطاب التيار السلفي العلمي يعوّل على مدى سلطة النص على الجماهير وتسليمها وانقيادها له مستغلا مساحة الالتباس بين تبجيل الحديث النبوي والدراية والأفهام التي تعود إلى الرجال، وهو حال معظم المسلمين الذين لا يملكون من الدين إلا حبّ الإسلام والاستعداد للامتثال لأوامره بقدر المستطاع في مواجهة إكراهات الواقع.

يحدث هذا كذلك في ظل تقلص دور المؤسسات الدينية الرسمية وانهيار معظم المؤسسات التقليدية وانجرافها أمام ضربات نظام التعليم العصري، والتي كانت سابقا تغطي حاجة الناس للفتوى والعلوم الشرعية. ولذلك فإن المتلقي للخطاب السلفي الشفهي أوفقه الأرصفةالذي توفره الكتيبات المجانية لا يجد إلا أن يسلم لها أمور دينه مخافة السقوط في مغبة الكفر أو العصيان. ومن هنا يبني التيار السلفي سلطته الاجتماعية على سلطة النص ورواج الفقه الاستعجالي المختزل في الحديث الصحيح. كما يجد من الشباب المتعطش للدين مادته للتمرد الهادئ على المجتمع والتعالي على الأعراف الراسخة حتى وإن كانت صحيحة.

من الضروري هنا أن نشير إلى ما يفند هذا المنحى بما يحدث داخل البيت السلفي نفسه من مراجعات لكتب الصحاح، حيث أقدم الشيخ الألباني بعد التحقيق على تضعيف ثمانية أحاديث في البخاري، والرد في مسائل عديدة على شيوخ السعودية، فيما لو عاد أي طالب علم إلى كتب الحديث لوجد فيها الكثير مما يقطعون بصحته هو نفسه مادة للاجتهاد والظن؛ فهذا ابن حجر العسقلاني يرى في أحاديث الآحاد، التي هي الأغلب عدديا في كتب السنة، أنها ظنية في مقابل قلة المتواتر المعروف بقطعيته. وهذا ابن تيمية يرى من شروط الأخذ بالصحيح عدم معارضته للمقطوع به عقلا. في حين ترى مدرسة حديثة أخرى ضرورة فتح باب تصحيح الحديث من جديد بالنظر إلى المتن والقرائن الحديثة، على عكس المدرسة القديمة التي تكتفي بتصحيح السند ودراسة حالة الرواة والعنعنة والسلسلة. ولعل ما يعضد هذا المطلب هو ما يخرج حاليا من فتاوى غريبة مؤسسة على أحاديث مبتورة السياق من الصحاح تكاد تنسف الدين من أساسه، والتي هي على شاكلة فتوى إرضاع المرأة لزميلها الرجل الأجنبي عليها بغرض تحريمه، وقتل المسلمين المخالفين في المعتقد أو المذهب.

أما جانب الخطاب السياسي للسلفية فقد كان دوما بردا وسلاما على أنظمة الحكم العربية والإسلامية بل، وغير الإسلامية لما تراه منتحريم الخروج على وليّ الأمربل ووجوب الامتثال لأمره ما أقام في مجتمعه الصلاة! ومقابل مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسياسة الشرعية التي توسع فيها ابن تيمية، فإن موقف الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن مع العباسيين تحول إلى مصدر تشريع وعقيدة سياسية تقيم عليه الحركة السلفية حكم تحريم مواجهة الحاكم أو نقده حتى وإن جار أو ظلم أو استبدّ أو أخذ الأموال أو استغل نفوذ السلطة لمصالحه. وأوجبت السلفية على الأمة الاقتصار على نصح الحاكم في السرّ والاكتفاء بالدعاء له بالهداية والصلاح عند رفضه تلك النصيحة. أما ثورات الأئمة الأوائل من الصحابة والتابعين بل وحتى خروج محمد بن عبد الوهاب على شرعية الخلافة العثمانية والإنسلاخ عنها بدولة السعودية الحديثة فقد تحوّلت بفعل التأويلات إلى استثناءات لا يقاس عليها.

وإذا كانت الحركات الإسلامية من منظور الأنظمة القائمة في البلدان العربية شرا لا بد منه نظرا لقاعدتها الشعبية العريضة، فقد أتاح هذا الموقف الإرجائي للكثير من هذه الأنظمة مخرجا لتقبّل السلفية كحركة إسلامية أقل ضرراً على الوضع السياسي القائم من الكتل الإسلامية المناوئة الأخرى وتمكينها من الاستيلاء على الشارع العام. ومن هنا جاءت حضوتها عند الأنظمة بحكم دورها الاجتماعي الذي سيمتص الامتعاض الإسلامي ويُفرغ طاقاتها في الاجتهادات والتفريعات الفقهية ودقائق الأحكام التي لا تنتهي.

وفيما كان الربيع السلفي ممتدا بهدوء خلال العشريتين الأخيرتين مستغلا رضا السلطات الحاكمة واستقرارها، فقد تفاجأ بتقاطعه بالربيع العربي المطالب برحيل تلك الأنظمة وطرحه العميق لمسألة الحكم ليضع الحركة السلفية في حرج كبير؛ فقد تباغتت الرموز السلفية الوفية لمبدأطاعة وليّ الأمربالربيع العربي وترددت كثيرا حول شرعنته ناهيك عن مساندته، فقد كان الحكام في كل من مصر وليبيا واليمن وغيرها من البلدان أولياء أمور للمسلمين لا يستساغ معارضتهم وبالأحرى خلع اللباس الإلهي عنهم والمطالبة بنزع شوكتهم. وقد كان بالتالي سقوط تلك الأنظمة الحاضنة لها نازلة غير مسبوقة لا توجد في كتيبات السلفية، ما أثار الارتباك في صفوف الشيوخ والأتباع

أما في البلاد التي انفتح فيه المجال لتأسيس أحزاب منافسة للحكم وأحزاب مساندة له، مثلما هو حال الجزائر، فإن ذهول الفكر السلفي في المسألة السياسية وقضية المعارضة السلمية لا يزال قائما، فقبول التعدية والمعارضة والتداول كجزء من النظام السياسي لا يضع نظرية مبدأ طاعة وليّ الأمر محل مراجعة بل ويؤسس لنقيضها بعد فتح باب نقد وليّ الأمر ومساءلته

لا أحد ينكر المساهمة العلمية للسلفية بالعودة إلى المصادر وضرورة التحقيق في كل شيء. غير أنها كذلك تتسببت في معضلات ثقافية وسياسية عميقة، ومن ذلك تفكيك المنظومات الفقهية السائدة في كل المجتمعات العربية وإغراقها في ركام من الأحكام التفصيلية والآراء التلفيقية والشكلية لتزيدها فوضى وتيها إلى فوضاها الثقافية وتيهها الذاتي، ومن ذلك بسط سيطرتها الفكرية على المجتمع، ففي حين تطالب الحركة السلفية بالاجتهاد وعدم الإتّباع فهي تلزم المجتمعات بأحادية الآراء التي تعتقد صحتها في الفئة المحصورة والمزكّاة من شيوخها. وإذا كانت بعض المجتمعات متعوّدة على التعدد الفقهي وبالتالي مكتسبة للمناعة، فإن البلدان التي تتميز بالانسجام المذهبي والوحدة الدينية والثقافية مثلما هو حال شمال إفريقيا، تتحول إلى مصدر تفريق وتفكيك وحدتها لتدخلها في أزمة المرجعيات المتعددة. هذا بالإضافة إلى ما تعانيه أصلا من تفكك مؤسساتها الثقافية التقليدية نتيجة التدمير الاستعماري.

وإذا كان الربيع العربي والمطالبات الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية قد أغلقت جزئيا باب حضوة الحاكم وفتحت باب الاجتهاد السياسي مكرِها الحركة السلفية للعمل بما يناقض موقفها المبدأي في مساندة الحكام والدعاء المطلق لهم بل والعمل مع الآخرين في ساحة الحراك السياسي، فإن معضلة التعامل الظاهري والحرفي للنص لا تزال قائمة. ويبقى التمسك بالنص الظاهري هو حتما إفراز أمية سائدة بأدوات الإنتاج الفقهي والاختزال الفكري للحياة المعاصرة في قالب الماضي المقدس. ولعل العمل على توجيه الساحة إلى الاستقراء القرآني والفكر المقاصدي ومراجعة كتب الحديثالمقدّسةسيكون البديل القوي للفكر السلفي الظاهري السائد الذي سيساعد على تأسيس قراءة جديدة للدين ودور حضاري فاعل له.

 

* المتلقي للخطاب السلفي الشفهي أوفقه الأرصفةالذي توفره الكتيبات المجانية، لا يجد إلا أن يسلم لها أمور دينه مخافة السقوط في مغبة الكفر أو العصيان.

* جانب الخطاب السياسي للسلفية كان دوما بردا وسلاما على أنظمة الحكم العربية والإسلامية بل، وغير الإسلامية لما تراه منتحريم الخروج على وليّ الأمربل ووجوب الامتثال لأمره ما أقام في مجتمعه الصلاة!

* موقف الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن مع العباسيين تحول إلى مصدر تشريع وعقيدة سياسية تقيم عليه الحركة السلفية حكم تحريم مواجهة الحاكم أو نقده حتى وإن جار أو ظلم أو استبدّ أو أخذ الأموال أو استغل نفوذ السلطة لمصالحه.  

 

* أستاذ بجامعة البليدة

[email protected]

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
9
  • أمير

    كتبت فأجدت دكتور مصطفى
    بارك الله لك

  • مصطفى

    نصحك لوجه يامن تكون رررررررروح تعلم دينك ومنبعد اواح تكلم راك تباك مكان والو

  • أحمد

    2)يتبع..
    الأمر الثاني ذكره *التدين الجديد* فهذا و الله أعلم و كأنه يكفر السلفيين فلفظة الجديد توحي أن المجتمع في دين و السلفية في دين آخر؟؟ أما استهزاؤه بإلصاق القدم بالقدم و التفل على اليسار و.. فهذه الامور كلها مشروعة فارد عليه بالآية الكريمة* ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون* سبب نزولها أن أحد المنافقين قال عن الصحابة رضي الله عنهم: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا ، وأكذبنا ألسنة ، وأجبننا عند اللقاء .

  • أمانة

    le slafisme est une doctrine du diable contraire à dieu tout puissaant dont la doctrine est entièrement contenu dans le saint coran
    le coran étant intouchable et infalsifiable on a recouru à produire d'autres textes(hadiths qui sont dans la plupart en contradiction avec le coran conduisant à un islam déformé rétrograde on a confondu entre commandement de dieu et traditions arabiques, les pratiques des hommes et surtout sacraliser les compagnons du prophète créant une nouvelle idolatrie

  • sami

    لا حول ولا قوة الا الله.يقول الشاعر على قدر اهل العزم تاتي العزائم
    كل من هب ودب اصبح يتحدث عن السلفيه وابن تيميه.من انت اصلا حتى تحكم على الناس.لقد اغاضكم ما ترونه من وعي لدى الكثير من الشباب يامور دينهم.
    لمادا لا تتحدث عن الجهل والفسق والانحلال الاخلاقي الدي نراه امام اعيننا.ام هدا لا يعنيكم.
    رحم الله امرىء عرف قدر نفسه

  • بدون اسم

    عجيب أمر الأستاذ عندما يتحدث عن حظوة السلفيين عند السلطة، وهو يرى الحملات الإعلامية التي تشن عليهم في العالم أجمع، وفي الجزائر خصوصا، حيث تواطأت وزارة الشؤون الدينية، مع الجرائد بمختلف مشاربها على لحربهم، في مقابل محاباة القبوريين. ألا يرى الأستاذ مدى الحظوة التي يتمتع بها القبوريون لدى الأنظمة الحاكمة في دول المسلمين، ولدى صناع القرار في الغرب، وما تقارير مؤسسة رند الأمريكية عنا ببعيد.

  • بدون اسم

    مقالك فيه خلط كبير
    وانظر مثلا الى قولك:
    . "وهذا ابن تيمية يرى من شروط الأخذ بالصحيح عدم معارضته للمقطوع به عقلا"
    قل لي بربك كيف تنسب مثل هذا لابن تيمية وانت تعلم ردوده على الرازي

  • بدون اسم

    السلفيون كغيرهم من الطوائف، فيهم المقتصد وفيهم الظالم لنفسه، فيهم العالم وفيهم المتعلم وفيهم الجاهل، وما من خطيئة عندهم إلا وعند غيرهم من الطوائف ما هو أعظم منها.
    بعض الكتاب يريدون الطعن في كتب السنة لحساب كتب طوائف أخرى معروفة، فلا يجدون سبيلا أخف وطأة عليهم من الهجوم على السلفيين، الذين يؤدون الواجب الكفائي في الدفاع عن كتب السنة التي أصبح إسقاطها هدفا للشيعة والعلمانيين.

  • بدون اسم

    كنا نتمنى للأستاذ أن يسخر قلمه للحديث عن الطوائف التي تصر على تقديس النصوص المكذوبة التي يشهد العقل والعلم والتاريخ على اختلاقها، على شاكلة النصوص التي تنسب إلى أئمة أهل البيت طعنهم في الصحابة وإباحتهم اتخاذ الوسائط والأنداد مع الله، ونسبة علم الغيب إلى البشر، وإباحة المتعة، والترغيب في اللطم والتطبير... ألا يستحق تقديس أمثال هذه النصوص استنكارا من طرف الأستاذ؟؟؟ لماذا لا يستنكر الأستاذ مواقف بعض الأشاعرة كموقف البوطي من النظام السوري وموقف علي جمعة من النظام المصري؟.