الرحلة العلمية من قسنطينة إلى باكو عاصمة أذربيجان
في مستهل شهر ديسمبر 2025، انطلقت قافلتنا العلمية تشدّ الرحال من قسنطينة حاضرة الجسور المعلقة وموطن العلم والعلماء إلى مدينة باكو عاصمة جمهورية أذربيجان، هذه الوجهة اقترحها زميلنا في قسم علم الاجتماع د. مراد بلعيدي، وعزز تثبيتها كوجهة لنا هذه السنة زميلي في قسم التاريخ د. حمزة قادري، ومن خلال بحث على شبكة النت وجدنا أننا سنستفيد من قسم المخطوطات العربية في معهد المخطوطات الأذربيجاني، فحسمنا الأمر، وعزمنا على تنفيذ الفكرة مستفيدين من منحة الإقامة العلمية التي منحتنا كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعتنا: قسنطينة 2 عبد الحميد مهري.
ترتيبات السفر
قبل الانطلاق، أجريت اتصالات مع الأصدقاء والأحباب ليضعونا في تواصل مع الباحثين في هذا البلد الذي نزوره لأول مرة، ومن خلال الأستاذ الموريتاني الصديق العزيز: د. جمال غدور تمكنّا من ربط التواصل مع أستاذ عراقي مهتم بالشأن الأذربيجاني، ولديه علاقات وطيدة مع المؤسسات العلمية هناك، ومن خلاله سنتعرف على مرافقنا في هذه الرحلة: الباحث الشاب النشط: د. ألنور مصطفاييف؛ وهو شخصية متعددة الاهتمامات متلاقحة الثقافات، جعل رحلتنا ناجحة بكل المقاييس.
السفر دائما قطعة من العذاب، كما قال رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، وخاصة عندما تكون الرحلة غير مباشرة، فعلى متن الخطوط الجوية التركية انطلقنا من مدينة الجسور المعلّقة على الساعة 14.30 سا، ووصلنا مطار اسطنبول في رحلة دامت نحو 3 ساعات، ثم انتظرنا 4 ساعات لنتَّخذ الوجهة إلى باكو، وقد انتبهت مراقِبة الجوازات لوجود 3 جزائريين على متن الرحلة فعبَّرت عن مفاجأتها، فلا يبدو أن باكو تستقبل الكثير منّا، واستغرقنا 3 ساعات أخرى جوا إلى مقصدنا.
كانت الفيزا إلى باكو إلكترونية، وإجراءات الدخول بسيطة جدا، إذ لا تتجاوز مراقبة الجواز وختمه بعد أخذ صورة شخصية، وهكذا وجدنا أنفسنا في حدود الساعة 3.00 صباحا في أذربيجان نبحث عن شريحة هاتف، ثم سيارة تقلنا إلى الفندق، وقد نال منّا الإعياء مبلغا، وتغير التوقيت عن الجزائر بساعات ثلاث.
في معهد المخطوطات بباكو
تركنا لصديقنا الأذربيجاني الجديد الذي يتحدث العربية الفصحى بطلاقة د. مصطاييف ترتيب مواعيدنا في المؤسسات العلمية التي نزورها، فتركنا نرتاح اليوم الأول من وعْثاء السفر، ونتأمل مدينة على بحر قزوين تتصف بالجمال والنظافة، وتداخل عناصر معمارية مختلفة جعلتها تحفة مميزة وحديقة واسعة.
وفي اليوم الثاني بدأت باكو تكشف لنا عن أعلامها ومكنوناتها المعرفية، وقد كان تركيزنا على البحث عن المخطوطات الجزائرية، خاصة وقد اطّلعنا على فهرس أعدّه مركز جمعة الماجد حول المخطوطات العربية في باكو.
يتبع معهد المخطوطات أكاديمية العلوم الوطنية الأذربيجانية، ويحمل اسم محمد فضولي، وهو أحد كبار الأدباء والشعراء الذين أثَّثوا المشهد الأدبي الأذربيجاني بقطع جميلة وبلغات مختلفة (أذرية، عربية، فارسية)، وهو يحتلُّ بناية ذات تاريخ خاص، إذ احتضنت النقلة الهامّة لتعليم البنات الذي بدأ سنة 1906 ضمن امتدادات الفكر الإصلاحي في العالم الإسلامي، وهو الأمر الذي وقف خلفه أحد الأثرياء الأذربيجانيين المحسنين اسمه زين العابدين تاجييف، كما احتضنت البناية ذاتها أول برلمان في تاريخ أذربيجان المستقلة، وكان ذلك سنة 1918، وهو الاستقلال الذي لم يدم سوى سنتين، ليسيطر الاتحاد السوفياتي على البلد ويضمه إليه سنة 1920 في احتلال دام 70 سنة.
استقبلنا الباحثون والباحثات في المعهد بحفاوة بالغة، وقدَّموا لنا عرضا حول ما يتوفر في المركز من كنوز مخطوطة، ومنها قطعة قرآنية من سورة النساء تعود إلى نهاية القرن الهجري الأول، ونسخ تعدُّ الأقدم لأعمال بعض الشخصيات العلمية الشهيرة؛ مثل الطبيب الأندلسي أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، والفيلسوف الطبيب ابن سينا وغيرهما، واكتشفنا منذ البداية أننا أمام تراث زاخر من المخطوطات التي تتجاوز 40000 نص، منها نحو 12000 بالحرف العربي، سواء كانت باللغة العربية أو الأذرية أو التركية أو الفارسية، وقد جرت فهرسة نسبة هامّة من هذه الأعمال ورقمنتها وطبعها في مجلدات أربعة، وكل هذه الشروح كانت تمرّ عبر صديقنا ألنور مصطاييف الذي تكفل بالترجمة، ونقل هذا الحوار الثري بيننا، فكان حلقة الوصل دائما بلباقته وحيويته وإتقانه للغات عديدة.
بعد جولة أخرى في قاعة ملحقة بقاعة الاستقبال والعرض، تحكي تاريخ البناية وأصحابها، جلسنا مع الباحثين والباحثات في مائدة مستديرة تتوسطها أكواب الشاي الذي يعدّ مركزا في ثقافة الضيافة الأذربيجانية، وقد حضر الجلسة:
1- الدكتور أكرم باقروف: نائب رئيس معهد المخطوطات، وهو باحثٌ كبير مختص في المخطوط الفارسي.
2- الدكتورة زكية أبيلوفا: باحثة قسم المخطوطات باللغة العربية.
3- الدكتورة سوينج بايراموفا: باحثة قسم المخطوطات باللغة العربية.
4- الدكتورة نجار باباخانوفا: رئيسة قسم العلاقات الدولية في معهد المخطوطات.
اشتغلنا بفحص الفهارس لأجل تسجيل ما نحتاجه منها، وهي 4 أجزاء أمكننا أن نعثر فيها على حضور جزائري في النحو والعقائد، وفي الوقت ذاته تحدّثنا كثيرا عن المصادر ورقمنتها وتحقيقها، والاهتمام باللغة العربية في البلد، وقد لاحظنا حبًّا جارفًا لها داخل هذا المعهد، وهكذا كان يومنا الأول فاتحة انطباع جميل عن أهمية هذه الزيارة.
في قسم المخطوطات العربية
في اليوم الموالي اشتغلنا بمواصلة فحص الفهارس لنتأكد أننا سنسجّل كل العناوين التي نحتاجها، وقد رتّب لنا الأستاذ ألنور مصطفاييف لقاء جديدا في هذا المعهد في يوم جديد من التقصي والبحث العلمي، وكانت وجهتنا هذه المرة نحو القسم العربي الذي يديره أحد أكبر الشخصيات العلمية في أذربيجان وهو البروفيسور كماندار شريفلي صاحب التآليف والتحقيقات الكثيرة، وهو بمثابة أستاذ الأساتذة بالقسم العربي، والذي اشتغل في العديد من البلدان العربية مثل العراق والمملكة العربية السعودية ومصر، كما زار الجزائر سنة 2016 في ملتقى دولي عُقد في مدينة بسكرة، وزار مدينة باتنة أيضا، وقد أبدى لنا إعجابه الشديد بالجزائر، وهو يتكلم اللغة العربية بفصاحة المختصين المعتكفين على النصوص المخطوطة، والتحقت بنا أستاذتان من القسم ذاته من المشتغلات على المخطوط العربي ممّن تشرفنا بلقائهن سابقا (د. زكية أبيلوفا، د. سوينغ بايراموفا) وكانت د. زكية قد أقامت مدة بتونس ثمانينيات القرن الماضي.
منحت لنا في اللقاء الثاني بهذا المعهد فهارس أخرى مخصصة للإلهيات (العقائد)، وسجَّلنا ما نحتاجه منها، وكان نقاشنا ثريا حول وضع المخطوط العربي عموما، وأهمية رقمنته وإتاحته للباحثين، وقُدِّمت لنا شروحٌ حول التجربة الأذربيجانية في تجميع المخطوطات من مختلف مناطق الدولة، وحفظها في هذا المعهد، وهو العمل الذي استمر عقودا، وشمل خزائن الأسر وزوايا الطرق الصوفية وغيرها.
وبعد نهاية فحصنا للفهارس قدَّمنا طلبا لمدير المعهد (البروفيسور تيمور كريموف) لأجل الحصول على العناوين التي نحتاجها، وأهدانا القائمون على قسم المخطوط العربي نسخة من الفهارس سنضعها في مخبر الدراسات والبحوث في حضارة المغرب الإسلامي بجامعتنا، وفارقناهم سعداء وممتنين لحفاوة الاستقبال وتيسير العمل.
في معهد الدراسات الشرقية
وجهتنا الثانية التي لم تقلّ أهمية عن وجهتنا الأولى؛ كانت نحو معهد الدراسات الشرقية، جاءنا صديقنا د. ألنور مصطفاييف إلى الفندق مصرّا على تنظيم كل محطات تنقلنا في رعاية بالغة واهتمام كبير، وقد رتّب لنا لقاء بشخصية أخرى من كبار الباحثين المهتمين بالتراث العربي، وهي رئيسة المعهد ونائبة رئيس الأكاديمية الأذربيجانية للعلوم: أ.د جوهرة باخشعلييفا، التي نشرت العديد من الأعمال المتعلقة بتاريخ أذربيجان الأدبي في المصادر العربية، ومن خلال ما عرضته من أعمالها ندرك أننا أمام قامة علمية وعقل مطَّلع بشكل عميق على مختلف النصوص العربية التي استعملتها في مؤلفاتها (كتب التاريخ العامّ، كتب الجغرافيا والرحلة، كتب التراجم والطبقات وغيرها)، ومن مصنفاتها ترجمة للنصوص المتعلقة بالشخصيات الأذرية في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.
لاحظنا حرصا كبيرا على تعميق المعرفة أكثر حول الجزائر لافتقاد المعهد للمصادر حولها، وهو ما وعدنا أننا سنجتهد في تحقيقه أسوة بما فعلت سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية وغيرهما من الدول التي أهدت للمعهد قوائم كبيرة من المصادر والمراجع تعريفا ببلدانها وتاريخها وثقافتها، وأملنا أن تبادر سفارتُنا في باكو لذلك، ليمكن للأدب والتاريخ الجزائري أن يكون موضوع بحث ودراسة في هذا المعهد العريق.
يحمل معهد الدراسات الشرقية اسم المستشرق الكبير ضياء بونيادوف، وقد تأسس سنة 1958 في الحقبة السوفييتية، وأهدتنا مديرته عملا يؤرخ لمدة 60 سنة من أعمال المعهد بكل أقسامه، وهي كثيرة متنوعة تشمل تخصصات مختلفة (أديان، أدب وثقافة، اقتصاد، علوم سياسية…..)، وفي مدة نحو ساعة من الحديث مع المديرة سمعنا منها الكثير حول أهمية اللغة العربية في الثقافة الأذرية، لأن الحرف العربي كان إلى مطلع القرن العشرين هو الحرف الذي تُكتب به هذه اللغة، ومن ثمّ فهو حافظ تراثها وثقافتها قرونا عديدة، وعلمنا أن كثيرا من النصوص العربية تُرجمت إلى الأذرية، وأعلمتنا برغبتها في توطيد العلاقات العلمية بين الباحثين في البلدين، متأمّلة أن تكون هذه الزيارة فاتحة هذا التبادل المعرفي.
أخذنا صديقنا د. مصطفاييف الذي يتولى رئاسة أحد أقسام هذا المعهد (قسم مقارنة الأديان والرأي العامّ) في جولة على الأقسام، وتعرّفنا على زملائه وزميلاته في التخصص، ثم مررنا بمختلف التخصصات، قبل أن نجلس في قسم اللغة والأدب العربي، حيث تحدثنا مع باحثات شغوفات بالحرف العربي، ومطّلعات على الحركة الأدبية في الدول العربية المشرقية، من بينهن الباحثة في النحو العربي: أ. د لورة أورجوفا إحدى أبرز المختصات في هذا الباب بأذربيجان، ود. خومار علي أكبروفا رئيسة قسم اللغة العربية والتي تشتغل على الأدب العربي بصفة عامة، وأدب نجيب محفوظ بشكل خاص، ود. لاله بايروموفا الباحثة في أيام العرب وقصصهم وألف ليلة وليلة.
خلال نحو ساعة من الحديث مع مديرة معهد الدراسات الشرقية سمعنا منها الكثير حول أهمية اللغة العربية في الثقافة الأذرية، لأن الحرف العربي كان إلى مطلع القرن العشرين هو الحرف الذي تُكتب به هذه اللغة، ومن ثمّ فهو حافظ تراثها وثقافتها قرونا عديدة، وعلمنا أن كثيرا من النصوص العربية تُرجمت إلى الأذرية.
لاحظنا حرصا كبيرا على تعميق المعرفة أكثر حول الجزائر لافتقاد المعهد للمصادر حولها، وهو ما وعدنا أننا سنجتهد في تحقيقه أسوة بما فعلت سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية وغيرهما من الدول التي أهدت للمعهد قوائم كبيرة من المصادر والمراجع تعريفا ببلدانها وتاريخها وثقافتها، وأملنا أن تبادر سفارتُنا في باكو لذلك، ليمكن للأدب والتاريخ الجزائري أن يكون موضوع بحث ودراسة في هذا المعهد العريق.
ارتاح صديقنا مصطفاييف قليلا من عبء الترجمة في هذا القسم، وعرَّفنا على أستاذة وصفها أنها أستاذة الجميع، وهي مختصة في النحو العربي، كما التقينا بباحثة أنجزت أطروحتها حول أعمال نجيب محفوظ، ووجدنا اهتماما بشعراء المهجر: جبران خليل جبران، إيليا أبو ماضي، ميخائيل نعيمة.
خـــــــاتمة
كانت زيارة عامرة بالعلم والمعرفة، وفي صحبة شاب باحث طموح يتحدّث جيدا بالعربية، معتاد على الحوار وتلاقح الأفكار، باعتباره أيضا صِحافيا له برنامج أسبوعي يوم الجمعة بالتلفزيون الأذربيجاني: د. إلنور مصطاييف فقد نجحت زيارتنا لهذا البلد الجميل، بما يغري بالعودة، خاصة وأن فهرسة المخطوطات مستمرة وننتظر ظهور الجزء 5 قريبا.
استقبلنا الباحثون والباحثات في المعهد بحفاوة بالغة، وقدَّموا لنا عرضا حول ما يتوفر في المركز من كنوز مخطوطة، ومنها قطعة قرآنية من سورة النساء تعود إلى نهاية القرن الهجري الأول، ونسخ تعدُّ الأقدم لأعمال بعض الشخصيات العلمية الشهيرة؛ مثل الطبيب الأندلسي أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، والفيلسوف الطبيب ابن سينا وغيرهما، واكتشفنا منذ البداية أننا أمام تراث زاخر من المخطوطات التي تتجاوز 40000 نص، منها نحو 12000 بالحرف العربي، سواء كانت باللغة العربية أو الأذرية أو التركية أو الفارسية.
شكرا لأخينا إلنور، ولكل الباحثين والباحثات في مركز المخطوطات، وكل الباحثين والباحثات في معهد الدراسات الشرقية، سعدنا بالتعرُّف على الجميع والاستفادة من خبراتهم وتبادل الأفكار معهم.