الرقمنة تكشف عجز ووساوس المثقفين والنخبة
غزت الإنترنت مجتمعنا بالكامل، وأصبحت الهواتف الذكية في يد كل واحد منا، حتى إنها تحولت إلى ضرورة عصرية، وظن الجميع أن هذه الخطوة يمكن أن تهدد مهنا ومشاريع، مثل مقاهي الإنترنت، لكن، وبطريقة ما زاد نشاطها، حين بدأت بعض الإدارات هنا تتجه نحو الرقمنة، وبات التسجيل الإلكتروني واستخراج العديد من الوثائق إلكترونيا مطلبا إجباريا، كالتسجيل في الجيش، التسجيل في مختلف التكوينات، وحتى التسجيل في الطور الابتدائي.
الغريب ليس إجبارية التسجيل عبر الإنترنت في مجتمع تغزوه البيروقراطية، وإنما على العكس تماما، تعتبر تلك خطوة محمودة في مساعي الرقمنة والتحضر، ولا أن يتم تخصيص أماكن وعناوين، توفر هذه الخدمات لعامة الشعب مدفوعة طبعا. الغريب فعلا، أن الجميع بمن فيهم الطلبة والنخبة والمثقفون الذين يقفون في الطوابير لاستخراج شهادة ميلاد من البلدية، يمكنهم فعل ذلك من حاسوبهم الخاص بكبسة زر، والذين يدفعون المال لموظف محدود المستوى في مقهى إنترنت لتسجيلهم في أي منصة، يمكنهم ولوجها بكل سهولة عبر هاتفهم الخاص، بينما يجلسون في مقهى حقيقي ويرتشفون بذاك الثمن قهوة أو شايا.
من باب العجز والكسل، أم هو التفكير المحدود وعدم ثقة المرء في قدراته في التركيز والتعلم، تقود كثيرين إلى التواكل والاعتماد على الغير في مسألة الرقمنة هذه. وقد يصل الأمر بالبعض، ونحن نطأ سنة 2025، أن يلغي أي حجز أو تسجيل إذا ما كان إجباريا على الإنترنت، يجرنا نحو أزمة حقيقية في مسألة التأقلم مع العصرنة، ومواكبة الرقمنة والتطور السريع، الذي يمس جميع المجالات، دون استثناء، ليحولها من تقليدية إلى رقمية.
الاستثمار في عجز المثقفين
صحيح أن مصائب قوم عند قوم فوائد، لكن فوائد البعض قد تثبت للآخر كم هو تافه مفرغ، رغم شهاداته العلمية. يقول محمد، صاحب وكالة سياحة وأسفار، يمتلك مستوى الثالثة ثانوي: “تأتيني شخصيات مثل أطباء ومهندسين وطلبة دراسات عليا، لديهم بطاقات بنكية، ويتقنون عدة لغات، يطلبون أن أحجز لهم على منصات متاحة للجميع، وليست عروضا خاصة للوكالات، حتى إنهم من يجلب لي الموقع أو الفندق أو الرحلة.. مؤخرا،
سجلت لأكثر من 20 شخصا في القرعة الأمريكية، رغم أن كل هذا يتم ببساطة تامة، عبر أي جهاز متاح مربوط بالإنترنت”. أما أمين، وهو شاب يهوى الترحال واكتشاف الأماكن السياحية المحلية، فهو محتار فعلا من أشخاص يتوقفون عشرات المرات، خلال أي رحلة، ليسألوا عن اتجاه وجهتهم، وفي أيديهم هاتف يمكنهم من اتباع خريطة بالصوت والصورة، حتى من دون الربط بالإنترنت”.
جاءت لتسهيل الحياة
في هذا الصدد، تتحدث مريم بركان، أخصائية نفسية وخبيرة في الشأن الاجتماعي، مسلطة الضوء على عنصر النقص الذي يصيب بعض المثقفين، خاصة من الشباب ذوي الخبرة المحدودة: “يستعملون الإنترنت لعدة أغراض، بينما يمكنهم ولوج مواقع وحسابات ويقضون ما يعادل ثلثي يومهم مرتبطين بالشبكة، ولكنهم يعجزون عن ملء استمارة إلكترونية، أو إدخال معلومات أو استخراج وثيقة، حتى وإن كانت محفوظة.. أمر غير معقول، يصدر عن الكثير، وسببه المنطقي ليس عدم قدرتهم على فعل ذلك، وإنما عدم التعود عليه. الشباب مرتبط بالإنترنت، لأنه مصدر ترويح عن النفس وتسلية، ثم إن البعض يعاني من وسواس ورهاب الغلط، يخاف من الأرقام والكلمات التي تكتب على المنصات الرسمية، ولا يمتلك الثقة في التأكيد”.. تضيف الأستاذة مريم: “بالموازاة مع محاولات تعميم الرقمنة، يجب نشر فكرة أن هذه الأخيرة وجدت لتجعل حياة الأفراد أبسط وأسهل، وليس لتعقدها أكثر. ماذا لو تعلم جدك دفع فاتورة الكهرباء والغاز عبر هاتفه، ألن يكون ذلك أفضل من تصفح تيك توك؟”.