الرأي

الرياضيات في فخّ النشر الاحتيالي

المجلة الرياضياتية الشهرية Notices هي إحدى المجلات التي تصدرها جمعية الرياضيات الأمريكية العريقة منذ 1953، وهي المجلة الرياضياتية الأكثر مقروئية في العالم. وقد صدر قبل أيام في عدد أكتوبر من المجلة الجزء الأول من تقرير بعنوان “النشر الاحتيالي في العلوم الرياضياتية” بقلم ستة خبراء عالميين، من ألمانيا وإسبانيا وهولندا والصين وأستراليا، كلفوا بالتحقيق في هذا الموضوع من قبل الاتحاد الدولي للرياضيات (IMU) ومجلس الرياضيات الصناعية والتطبيقية الدولي (ICIAM).

متاهات النشر العلمي

يقدم هذا التقرير تحليلا لوضع النشر الحالي في العلوم الرياضياتية والمشاكل النانجمة عنه. وقد سلط الضوء على التهديدات الجديدة، التي تضرب نزاهة النشر العلمي، مثل:

1) “مصانع البحوث” (Paper Mills)، أي تلك الكيانات (أفراد أو شركات) التي تقوم بإنتاج وبيع مقالات أو أبحاث جاهزة للنشر، غالبًا دون أساس علمي حقيقي، مقابل المال.

2) المجلات المفترسة (Predatory Journals)، وهي دوريات تدّعي العلمية والتحكيم الأكاديمي، لكنها في الواقع تفتقر إلى تحكيم حقيقي وتركّز على تحصيل رسوم النشر، هدفها الأساسي هو الربح السريع على حساب جودة البحث والنزاهة الأكاديمية.

3) “تكتلات الاستشهادات” (Citation Cartels) الذي يعني الاتفاق غير المعلن بين مجموعة من الباحثين أو المجلات لتبادل الاستشهادات (الاقتباسات) بشكل مبالغ فيه، والهدف من ذلك رفع عدد الاستشهادات ومؤشرات التأثير بشكل عبثي، دون أن يعكس ذلك قيمة علمية حقيقية.

4) “المجلات المختطَفة” (Hijacked Journals)، وهي تتمثّل في مواقع  إلكترونية مزيّفة تنتحل اسم مجلة علمية راسخة ورقمها المعياري (ISSN) لتنشر مقالات مقابل المال. ويمكن أيضا أن تكون مجلة حقيقية تمكّنَ أعضاء “تكتلات الاستشهادات” من السيطرة على هيئتها التحريرية. وفي هذه الحالة تتحوّل تدريجيًا إلى مجلة مفترسة تفقد مصداقيتها العلمية.

يشير التقرير إلى أن أقوى دافع وراء هذه السلوكات عند المجلات و”مصانع البحوث” في الاحتيال هو جني “رسوم معالجة المقالات”، وهي مبالغ يفرضها الناشر على المؤلف لنشر بحثه بنظام “الوصول المفتوح” (open Access). في بعض الدوريات قد تصل الرسوم إلى 9500 دولار، بينما تتراوح في مجلات أخرى بين 1500 و2000 دولار. وبطبيعة الحال هناك بعض المجلات الجامعية الجادة أو المدعومة حكوميًا توفر النشر مجانًا دون رسوم على الباحثين.

يتميز الباحثون في الرياضيات بنشر عدد أقل من البحوث مقارنة بالعلوم الأخرى، وبعدد أقل من المؤلفين المشتركين في البحث الواحد، وباستشهادات أقل عددا. وهذا يجعل المقارنات الببليومترية -أي الأدوات والمعايير التي تستخدم في قياس تقييم الإنتاج العلمي- بين الرياضياتيين وغيرهم في الاختصاصات الأخرى لا تحمل معنى كبيرا. وفي هذا السياق، يطرح التقرير أسئلة حول مدى ملاءمة المقاييس الببليومترية لتقييم البحث في العلوم الرياضياتية، كأن نبحث عن الإجابة على الأسئلة التالية: هل عدد الاستشهادات المرتفع يشير إلى جودة المقالة العلمية؟ هل عامل التأثير للمجلة يعكس جودتها؟ هل ارتفاع عدد البحوث المنشورة يدل على تميّز الباحث؟

وهنا يؤكد التقرير على الدور السلبي لتلك المقاييس الكمية إذ تشكل حافزًا قويًا للتلاعب بالأرقام وتؤثر سلبًا على سلوك الباحثين. ومن ملاحظات التقرير أن صغر عدد الباحثين في الرياضيات (مقارنة بغيرها) وقلة الاستشهادات يجعلانها أكثر عرضة لذلك التلاعب. ويشير التقرير إلى اللاعبين الرئيسيين في هذا المجال وهم: الباحثون، الجامعات، المجلات، الناشرون التجاريون (مثل شركتي “إلسفير” و”سبينغر نيتشر”)، وشركات الفهرسة (مثل “كلاريفيت” Clarivate و”غوغل سكولار” Google Scholar). كما ينتقد استغلال “الوصول المفتوح” لرفع الرسوم وزيادة عدد المجلات الرديئة، مع الاعتماد على قواعد بيانات غير موثوقة.

نظام النشر الأكاديمي

يعرّفنا التقرير بقواعد البيانات الببليومترية: تنتج مؤسسة “كلاريفيت” عامل تأثير المجلة “ويب اوف ساينس” (Web of Science) وقائمة “الباحثين الأكثر استشهادا (بأعمالهم)” (HCRs). تعاني المؤسسة من اندساس مجلات مفترسة. وهناك مؤسسة “سكوبس” (Scopus)، التابعة للناشر “إلسفير” تضم هي أيضا مجلات مشكوك في جودتها. ومن المؤسسات الأخرى “غوغل سكولار” التي تفتقر إلى الرقابة، مما يسهل التلاعب ببياناتها. أما قاعدتا البيانات الألمانية والأمريكية العريقتان والشهيرتان فتعتبران من أبرز قواعد البيانات الموثوقة للرياضيات، وهما تغطيان حوالي 1600 مجلة.

والجدير بالملاحظة أن مؤسسة “كلاريفيت” استبعدت في نوفمبر 2023 مجال الرياضيات من قائمة “الباحثين الأكثر استشهادا”، مشيرة إلى أن طبيعة المجال تجعله عرضة للتلاعب بالاستشهادات. وقد أظهر تحليل لهذه القائمة الخاصة بعام 2019 أن العديد من المدرجين فيها لم يكونوا رياضياتيين معروفين أو بارزين، كما أن مؤسساتهم غير معروفة ببرامج رياضيات قوية. وكان هناك تركيز غير طبيعي على تخصصات معيّنة (مثل المعادلات التفاضلية) وإهمال تخصصات أساسية (مثل الهندسة والجبر). ومن جهة أخرى، لاحظ التقرير أن معدل الاستشهاد الذاتي (أي اقتباس الباحث من أعماله السابقة) لدى “الباحثين الأكثر استشهادا” أعلى بكثير من نظرائهم الحاصلين على جوائز مرموقة.

والجدير بالملاحظة أن النشر الاحتيالي لا يقتصر على الرياضيات؛ فهو منتشر في جميع المجالات العلمية. وقد تم توثيق فضائح كبيرة في عديد البلدان تشمل “تكتلات الاستشهادات”، و”مصانع البحوث”، و”شراء المؤلفية” (Authorship for sale)، وهي ممارسة احتيالية في النشر العلمي تُباع فيها أسماء الباحثين أو تُضاف كمؤلفين في بحوث مكتملة مسبقًا دون مساهمتهم الفعلية في كتابتها أو إعدادها. وتجدر الإشارة إلى أن عدد المقالات المسحوبة يرتفع بسرعة في جميع أنحاء العالم، مع وجود دول آسيوية في المقدمة.

يصنف التقرير الممارسات الاحتيالية في النشر إلى فئات، منها:

1) تقسيم البحث إلى “أقل وحدة قابلة للنشر” (Salami-slicing)؛ عدد مبالغ فيه من الاقتباسات الذاتية أو لزملاء مقربين؛ إعادة استخدام نصوص سابقة (إعادة التدوير)؛ إرجاع غير دقيق إلى نتائج سابقة؛ مراجعون يطلبون من المؤلفين الاستشهاد بأعمالهم.

2) التلاعب بالاستشهادات (مثل إضافة استشهادات غير ضرورية أثناء التحكيم)؛ هيئات تحرير تطلب إضافة استشهادات لمجلتهم كشرط للنشر؛ الانتحال والسرقة الأدبية؛ المطالبة بتأليف مشترك دون مساهمة حقيقية؛ تقديم انتماءات مؤسسية خاطئة عمدًا؛ إدراج مؤلفين دون موافقتهم؛ تنظيم مؤتمرات افتراسية كجزء من “تكتلات الاستشهادات”. والمؤتمر الافتراسي هو مؤتمر يتميّز بضعف أو غياب التحكيم العلمي للمداخلات، وبسوء التنظيم، مع تركيز أساسي على جني الأرباح للمنظّمين؛ وغالبًا ما تُعقد هذه المؤتمرات في قاعات كبيرة مع حضور قليل جدًا، ويكون التركيز عادةً على إتاحة المشاركة الافتراضية، مع وعدٍ بالنشر لاحقًا في مجلات مصنّفة ضمن قواعد بيانات استشهادية مرموقة.

طوفان الاحتيال

وقد ضرب التقرير مثالا بمؤسسة “أومايكس” (OMICS) الهندية، وهي واحدة من أبرز مؤسسات النشر المفترس في العلوم حيث تمارس الاحتيال المنهجي في مجال النشر العلمي، علما أنها أنشئت عام 2007 وتدير مئات المجلات العلمية المفتوحة الوصول، بالإضافة إلى تنظيم مؤتمرات علمية من النوع الذي ذكرناه آنفا. وبلغ الأمر بمثل هذه الهيئات سيئة السمعة إلى ممارسة الابتزاز، فمثلا تهدد “مصانع البحوث” بكشف احتيال من نعاطت معهم للجهات المعنية، وتمارس التنمر على الباحثين؛ وتقوم هيئات خبيثة بانتحال الهوية (إدراج باحثين كأعضاء هيئة التحرير دون موافقتهم)؛ وباستخدام أسماء مستعارة؛ وبإخفاء تضارب المصالح؛ وإنشاء حسابات بريد إلكتروني مزيفة لمراجعة الأوراق ذاتيًا.

وأشار التقرير إلى دور الذكاء الاصطناعي الذي يقدم أدوات مفيدة (مثل التدقيق اللغوي)، ولكنه يدخلنا أيضا في متاهات ومخاطر جديدة: يمكن لـ”مصانع البحوث” استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي لتوليد نصوص بحثية مقنعة بتكلفة منخفضة وجهد بشري محدود. وما يعقّد الأمر أنه يصعب اكتشاف نصوص الذكاء الاصطناعي المولَّدة وهذا ما نشأ عنه سباق ضد الساعة بين أدوات التوليد وأدوات الكشف. وفي هذا السياق، بدأ الناشرون في استخدام أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لاكتشاف البحوث الاحتيالية. كما وضعت جهات تمويلية، مثل المؤسسة القومية للعلوم الأمريكية (NSF)، مبادئ توجيهية حول الاستخدام الشفاف والمسؤول للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي.

وهكذا يستخلص التقرير أن النشر الاحتيالي قضية عالمية تهدد نزاهة العلم، وأن المقاييس الببليومترية الحالية يتم التلاعب بها بشكل غير مسبوق، وأنها غير مناسبة لتقييم جودة البحث. كما أكد أن التصنيفات العالمية للجامعات تعتمد على مقاييس معيبة، وهو ما يولّد حوافز مشوّهة تدفع المؤسسات إلى التلاعب بالمعطيات والمخرجات بدل التركيز على تحسين التعليم والبحث العلمي.

خلاصة القول إن حل هذه المعضلة يتطلب التخلي عن الاعتماد المفرط على المقاييس الكمية في تقييم الباحثين والمؤسسات. ويستدعي العودة إلى التقييم النوعي القائم على المحتوى من قبل الأقران المتخصصين. ويتم ذلك عبر تطوير مبادئ توجيهية وممارسات أفضل للنشر والتقييم.

لقد دقّ هذا التقرير ناقوس خطر يقرع بقوة في وجه الباحثين وأصحاب القرار ومقيّمي البحث العلمي. فالمعركة ضد النشر الاحتيالي قضية تتجاوز حدود المهنة إذ تحولت إلى تهديد وجودي لمصداقية العلم والمعرفة. إن الدفاع عن النزاهة العلمية اليوم ضرورة مصيرية تفرض علينا جميعا حماية صرح العلم من الانهيار بمواجهة طوفان الاحتيال.

مقالات ذات صلة