الرأي

“الرّابحان” والـ40 مليون خاسر؟!

محمد حمادي
  • 3538
  • 0

الانتقادات التي صاحبت تعيين الأسطورة الكروية رابح ماجر مدربا جديدا للخضر، خلفا للأسباني لوكاس ألكاراز، بقدر ما أثبت غيرة لاعبين قدامى على الراية الوطنية التي دأبوا مشاهدتها ترفرف خفاقة في المحافل الدولية، فإنّها رسمت مشهدا قاتما وشديد السواد عن حال الكرة في بلادنا، التي تحوّلت إلى ساحة لتصفية الحسابات الضيّقة، تُحرّكها أفواه تنبعث منها حمم الكره والحقد والضغينة.

مثل هذه النقاشات المثيرة للجدل، انحرفت بالشارع الرياضي عن السكة الصحيحة وهوت به في مكان سحيق تنبعث منه رائحة الجهوية النتنة؛ فكل طرف يرى نفسه عراب الوطنية ويرمي الآخرين بالانتهازية وتتبع المصالح الشخصية.
مع كل نكسة يصاب بها المنتخب الوطني لكرة القدم يتداعى لها سائر الجزائريين بالغضب والاستياء الممزوج بالحسرة، ويصبح البحث عن الحلول لإنقاذ سفينة الخضر مبلغ همّ ساكنة هذا الوطن، الذين تجرّعوا الخيبات على كافة المستويات، ومع ذلك يصرون على استنشاق هواء الساحرة المستديرة ليتخلصوا من هموم ماتزال جاثمة على صدورهم.  ولكن أين نحن من مونديال الثقافة والعلوم والاختراعات؟ متى نتأهل إلى المربع الذهبي بمونديال الصناعة والزراعة؟ كيف نتخطى الدور الأول في مونديال تحقيق الاكتفاء الذاتي؟
الهوس بالساحرة المستديرة في بلادنا تخطى كل الحدود حتى صار الانشغال رقم واحد لكثير من ساكنه هذا البلد، الذين يتخبطون في مشاكل لا حصر لها، لكنهم بالرغم من ذلك يحاولون مداراة بؤسهم وشقائهم ببصيص أمل اسمه منتخب الكرة، الذي أضحى مسكنا لآلامهم.
هذه الحالة المرضية أنتجت  40 مليون مدرب ومحلّل، يخوضون بإسهاب في الخطط التكتيكية ويلزمون المدربين على التقيد بها، ويشرحون المستويات الفنية للاعبين، سواء أكانوا محليين أو مغتربين، ويقدمون لهم النصائح كي يبرزوا في سماء الكرة، ومنهم من حوّل فضاءات عمومية إلى استديوهات تحليل، تُعدّد مكامن القوة في فريق معين وتُظهر مواطن ضعفه.
الحقيقة هي أن الجمهور المهتم بالكرة في بلادنا  يستحق لقب “ميزاجي من الدرجة الأول”؛ لأنه ينجرف وراء عواطفه؛ فمبجرد إخفاق بسيط أو تعثر ينقلب الجميع على المدرب ولاعبيه، ليصبحوا في الخانة السوداء.
ألم يذرف رابح سعدان الناخب الوطني السابق دموع الحزن لمّا استحضر ما حدث لعائلته التي تعرضت للتهديد، بعد المشاركة المخيبة للخضر في مونديال 1986 بالمكسيك؟ ألم يتحول سعدان ذاته في 2009 إلى بطل قومي بعد افتكاك رفقاء عنتر يحيى تأشيرة مونديال جنوب إفريقيا من الفراعنة في موقعة أم درمان الشهيرة.
كيف تحول بين عشية وضحاها، رابح ماجر الذي يعتبر أول افريقيي وعربي ظفر بكأس أوروبا للأندية في 1987 مع نادي بورتو البرتغالي من أسطورة كروية إلى مدرب فاشل في نظر أبناء جلدته؟
وباختصار فإنّ “الرّابحين” (رابح سعدان ورابح ماجر) خلفهما تاريخ كروي حافل بالنجاحات والخيبات أيضا، وليس كل من هبّ ودبّ مخوّل لمحاكمة هذا المدرب أو ذاك، وانتقاد خياراته الفنية والتكتيكية، بل يجب أن نوكل الأمر للراسخين في عالم الكرة من محللين ومدربين ولاعبين سابقين لعبوا في الميادين وأشرفوا على أندية ومنتخبات، بشرط أن يتحلّى هؤلاء بالموضوعية، وتستند انتقاداتهم إلى أدلة وشواهد منطقية لا إلى حسابات ضيّقة.

مقالات ذات صلة