الرّاعي والعرّاب!
قبل سنة، كانوا يطالبون بتقديم مساعدات للدول التي اجتاحتها رياح ما سمّي بـ”الربيع العربي”، لكن الآن، بعد ما هبّت رياح “الثورات” بما لا تشتهيه سفن العرّابين والدجالين، أصوات داخل الكونغرس الأمريكي، تطالب بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية على عدد من الدول “الثورية”، بينها ليبيا واليمن ومصر، كردّ فعل على الاعتداءات التي تعرضت لها السفارات الأمريكية!
هل يُمكن تصديق أن “الثوار” الذين “حرّروا” ليبيا تحت الرعاية السامية لقوات الحلف الأطلسي، أو، الناتو، واصطادوا الزعيم القذافي ونكلوا بجثته، هم أنفسهم، أو جزء منهم، يهاجمون السفير الأمريكي ويقتلونه؟ وهل من المنطقي أن تتناقض الآن مصالح “العرّاب” والراعي مع مصلحة “الخمّاس” حول اقتسام أرزاق الناس، وقديما قالوا: عندما يختلف السرّاق يظهر المال المسروق؟
لقد أكدت الجزائر على لسان وزير خارجيتها، أن من بين الأسباب المباشرة والظاهرة في مقتل السفير الأمريكي، هي انتشار الأسلحة المهرّبة من ليبيا في خضمّ “الثورة” على القذافي، وبالتالي، فإن الذي يجري وسيجري، هو نتيجة حتمية، لما جرى قبل أكثر من سنة، باسم “تحرير” ليبيا من صاحب المقولة الشهيرة “طز في أمريكا”!
نعم، ليس هناك أصدقاء دائمون، أو، أعداء دائمون، بل هناك مصلحة دائمة، ولذلك، فإن تداعيات وتطورات الأوضاع في البلدان التي كانت مخابر لتجريب “سلاح” الربيع العربي، تحوّلت الآن إلى “عدوّ حميم” للقوى التي باركت “الثورات”، بعد ما كانت “صديقا لدودا” لا يُؤتمن جانبه ويُلدغ من الجحر عدّة مرات!
اغتيال السفير الأمريكي في ليبيا، لن يتوقف عند هذا الفعل، حتى يستبين الرأي العام حقيقة وسر مرابضة سفينتين حربيتين بالبحر الأبيض المتوسط، أو، فوق المياه الإقليمية الدولية، غير بعيد عن الساحل الليبي، بعد ما وصل كومندوس من المارينز إلى الأراضي اليبية لتوفير الحماية للديبلوماسيين والرعايا الأمريكيين العاملين هناك!
“الثورة” التي صفت القذافي في ليبيا، وحاكمت مبارك في مصر، وأرغمت بن علي على الفرار من تونس، ومازالت تلاحق الأسد في سوريا، هي “الثورة” التي بدأت تتحوّل في نظر “المهندسين” إلى خطر على مصالحها وأمنها وسلامة موظفيها، ولذلك، بدأت أصوات تشتغل لتجويع وترويع “الثوار” بمقاطعتهم اقتصاديا وتجاريا، عقابا لهم على التمرّد والعصيان!
ولأن “الثورة” في بعض البلدان كانت “مبنية على الخداع”، يتهم رئيس البرلمان الليبي، “أجانب” دخلوا من الجزائر ومالي وتورطوا في مقتل السفير الأمريكي، أي أن الرجل يُريد تبرئة “الثوار” وأبناء بلده من العملية، ويُحاول “مسح الموس” في أجانب، وهو بذلك يحرّض “أهل الضحية”، أو، السفينتين الحربيتين، أو، المارينز على اقتحام الأراضي التي تسرّب منها “القتلة” بدل البحث عنهم فوق التراب الليبي المحرّر من القذافي!
لقد ظلت الجزائر بعيدة عن “التخلاط” الجاري في ليبيا وكل البلدان التي اجتاحها “السيروكو” في عزّ الشتاء، بل رفضت التورط في مختلف عمليات “العسكرة” باسم “تحرير الشعوب”، ولم يعد الآن خافيا بأن “الربيع العربي” كان حقا يُراد به باطل، وما هو إلا الشجرة التي تغطي الغابة، بعد ما برزت ملامح “الحرب العالمية الثالثة” في مالي وليبيا وسوريا، كعود كبريت لإشعال المنطقة وإدخالها في أتون اقتتال جديد يبرّر الأفغنة والصمولة واللبننة!