الرأي

الرّحيل المفاجئ

سلطان بركاني
  • 1265
  • 1
أرشيف

حريّ بكلّ إنسان عاقل في هذه الحياة، أن تكون له ساعة، كلّ أسبوع، يتحسّس فيها قلبه ويتلمّس روحه ويراجع حاله، ويصارح فيها نفسه؛ فلا أجمل ولا أنفع من أن يكون الإنسان صريحا مع نفسه، وهو يستحضر أنّه يحمل بين جنبيه نفسا أمّارة بالسّوء في غالب أحوالها؛ تحتاج لأن تحاسَب وتعاتب، ويَضُمّ في صدره قلبا يحتاج لأن يوقظ ويوعظ ويذكّر، وإلا سكر بخمرة الدّنيا ونسي الموت والقبر والحساب، وتمادى في الغفلة عن الآخرة وفي ظلم العباد.

زماننا هذا الذي كتب لنا أن نعيش أيامه ولياليه وشهوره ودهوره، يستحقّ بحقّ أن يسمّى زمان القسوة؛ فتن مدلهمّة، وبلايا يتبع بعضها بعضا. شحن غير طبيعيّ تتعرّض له الأرض، وأوبئة وزلازل وفيضانات وأعاصير؛ أينما حلّت وحيثما نزلت، فإنّنا نراها بأعيننا ونسمع عنها بآذاننا، في أجهزة التلفاز وفي هواتفنا.. لكنّها لا تكاد تحرّك فينا ساكنا إلا من رحم الله منّا.. ها هو عدّاد الموتى يتزايد تزايدا مرعبا في السّنوات والأشهر والأسابيع والأيام الأخيرة.. وها هو موت الفجأة يحصد الأرواح من حولنا في صمت عجيب.. في كلّ أسبوع نسمع ونقرأ على الصفحات أخبار شباب في ريعان الشّباب رحلوا عن هذه الدّنيا من دون مقدّمات، وكهول قبضت أرواحهم فجأة وهم يؤمّلون ويخطّطون لأعمار مديدة.. أرواح تقبض فجأة وأجساد توارى التراب من دون أن تعتريها علّة أو ينتابها مرض.. وهذه إحدى أمارات قرب السّاعة، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إنّ من أمارات الساعة أن يظهر موت الفجأة” (رواه الطبراني).

موت الفجأة غدا ظاهرة يتحدّث عنها النّاس جميعا، بل وتتحدّث عنها الأوساط الطبية والعلمية.. أمراض القلب كثرت وعمّت في السّنوات الأخيرة، وأصبحت هي السّبب الأوّل للموت في العالم، وأغلب ضحاياها يموتون ويرحلون فجأة.. تشير الإحصاءات إلى أنّ مرض القلب الإقفاري والسكتة الدماغية هما أكثر الأمراض التي تحصد الأرواح في العالم، حيث يوديان كلّ عام بأرواح ما لا يقلّ عن 16 مليون إنسان في هذا العالم.

هذه الإحصاءات لم تعد أرقاما مجرّدة، نقرؤها على بعض المواقع المتخصّصة، بل أصبحت واقعا نعيشه ونشعر به؛ فأخبار الراحلين من حولنا من أهلنا وأقاربنا وجيراننا تنبئنا بذلك. ولعلّ من أشدّها وقعا على النّفوس الحيّة، تلك التي تتناقلها صفحات الجرائد ومواقع التواصل عن الرحيل المفاجئ لشباب في سنّ الفتوة، وهم عن الصلاة ساهون وعلى الشّهوات مقيمون، ومن ذلك الخبر المروّع الذي تداولته مواقع التواصل في الأيام الماضية عن وفاة أربعة شباب –شابين وفتاتين- رحمهم الله، داخل سيارة في ولاية سكيكدة.. هذه الحادثة المروّعة ما كان ينبغي لها أن تمرّ من دون أن نقف معها بقلوبنا لنقرع أرواحنا برهبة الموت وفجأته وعظمة خالقه.. حادثة تنذر القلوب وتقرع الأرواح بأنّ الموت لا يفرّق بين شاب وشيخ، ولا بين ذكر وأنثى، ولا بين مريض ومعافى.. الموت ليس له ميعاد ولا يستأذن ولا ينذر أحدا: ((وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)).. الموت لا ينتظر العبد حتى يتوب وينظّم حياته، فربّما يأتيه فجأة وهو يؤجّل التوبة ويسوّف، وربّما يأتيه وهو يبارز الله بمعصية من المعاصي أو موبقة من الموبقات.. ما كان ينبغي لإخواننا الشّباب الناشطين على مواقع التواصل، أن ينشغلوا بالنّقاش حول الأسباب التي أدّت إلى وفاة الشّباب الأربعة، ولا بمحاكمتهم؛ فقد أفضوا إلى خالقهم، إن شاء عذّبهم وإن شاء غفر لهم ورحمهم، ونحن لا يجوز لنا أن نشهّر بأسمائهم ولا بالأماكن التي ينحدرون منها، وإنّما ينبغي لنا أن ندعو الله أن يغفر لهم ويرحمهم.. الذي ينبغي أن يشغلنا هو الاعتبار بهذه الخاتمة التي لا نشكّ في أنّها موعظة ربانية لنا جميعا، ولشبابنا خاصّة، لنتذكّر أنّ الموت أقرب إلى أحدنا من كلّ ما يؤمّله ويخطّط له، وأنّ كلّ عمل يبدؤه يمكن أن يكون آخر أعماله، ويمكن أن يموت عليه، ليبعث عليه.. يمكن أن يكون آخرَ أعماله صلاة يصلّيها في بيت من بيوت الله، أو صفحات يقرؤها من كتاب الله، أو قُبلة يضعها على يد أبيه أو جبين أمّه.. كما يمكن أن يكون آخر أعماله رسالة يكتبها أو محادثة يجريها مع فتاة من الفتيات عبر مواقع التواصل أو صورة أو مشهد محرّم يتابعه، يعتريه بعده شعور غريب، يحسّ معه بأنّ عمره انتهى، فلا يشعر إلا وملك الموت قائم عنده يأمر روحه بأن تخرج لتعود إلى بارئها.

إنّه لمن المؤسف حقًّا أنّ قلوبنا القاسية لم تؤثّر فيها إحصاءات كورونا، ولا أخبار الوفيات التي امتلأت بها الصّفحات، ولا الزّلازل التي تضرب هنا وهناك وترعب الأرواح قبل أن تصدّع البنايات، ونفوسنا الأمّارة بالسوء لا تزال تغرينا بمبارزة جبّار الأرض والسّماوات؛ بالنّوم عن الصّلاة وهجر القرآن وغشيان المعاصي والمخالفات.. فإلى متى ونحن نلهث خلف شهوات أنفسنا؟ وإلى متى ونحن نعيش الفوضى في حياتنا؟ أما آن لكلّ واحد منّا أن ينظّم حياته، ويغتنم أوقاته، ويستعدّ لفجأة الموت، ويعتبر بأخبار وأحوال الرّاحلين، قبل أن يكون عبرة لغيره؟

اغتنم في الفراغ فضل ركوع * فعسى أن يكون موتك بغتة

كم صحيح مات من غير علّة * ذهبت نفسه الصحيحة فلتة.

مقالات ذات صلة