الرّدّة الثورية
الردة هي أن يكون شخص “مسلما” ثم يزين له قرينه الكفر، ويوسوس في صدره، فتغلب عليه شقوته، وينقلب على عقبيه، فيصير أضل من الحيوان، لأن الحيوان ليس له عقل يفكر به ويعقل الأمور، فيترك الإسلام، ويعتنق “دينا” محرّفا، أو فلسفة، أو فكرة، أو يعتنق هواه، كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: “أفرأيت من اتخذ إلهه هواه”. وحكم هذه الردة مفصل في كتب الفقه.. وأما هذه الردة فهي “ردة” سياسية، وقد يكون صاحبها من أتقى عباد الله، ولكن ظالما من الظلام الحكام ـ وما أكثرهم ـ يُشيطن ذلك “المرتد” السياسي، ويسلط عليه المنافقين والفاسدين ومن لا خلاق لهم فيجعلونه أفسد من إبليس.. ومتى نشأت فكرة “الردة الثورية”، وما هو سبب نشأتها؟
حكى لنا الشيخ عبد الرحمن شيبان -رحمه الله- أنهم عندما كانوا يعدون الدستور الأول، اقترح أن يُنصّ في إحدى المواد أن يكون رئيس الجمهورية الجزائرية وجوبا مسلما. وكان حاضرا في الجلسة أحمد بن بلة فثارت ثائرته، وأرغى وأزبد، وسمع له شهيق وزفير، وقال ما معناه مُوجّها كلامه للحاضرين بمن فيهم من اقترح ذلك الاقتراح: إنكم حساسون، ومن يشك في إسلام الجزائريين؟
سادت الجلسة فترة من الصمت، فلما ذهب الغضب عن أخينا ابن بلة، قال له أحد الإخوة: الأخ الرئيس (وكان هذا اللقب هو “لامود” في ذلك الوقت): هل تؤمن بشيء يسمى “الردة الثورية”؟
فاستدار ابن بلة نحو السائل، وردّ بتعجب: وكيف لا أومن بـ”الردة الثورية”، وها هو آيت أحمد يخرج عن الثورة، ويثور على الدولة، ويشق صف الشعب الجزائري؟
فأجابه ذلك السائل: القضية هي هي، فمن يضمن أن الرئيس يكون مسلما، ثم بعد أُمّة تعمى بصيرته، ويزيغ بصره، ويضل عقله، فينكص على عقبيه، ويرتد عن الإسلام، فكيف نتعامل معه؟ وإذا كان الأمر واضحا من الناحية الشرعية، فعلى أي نص قانوني نتصرف مع ذلك الرئيس “المرتد”؟
حرّك ابن بلة رأسه دليلا على الاقتناع، وأُدرجت المادة الملزمة لإسلام رئيس الجمهورية، ولسنا ندري هل ستبقى؟ أم ستُزال في المقبل من الدساتير كما أزيلت صفة “الثورية” و”الاشتراكية” التي كانت اختيارا “لا رجعة فيه”.
والملاحظة هي كيف أجاز ابن بلة لنفسه بعد ذلك بعشرين سنة أن “يتحالف” ابن بلة “الثوري” مع آيت أحمد “المرتد ثوريا” في اتفاق لندن ضد الدولة والنظام “الاشتراكي”؟ و”لامان في ربّي والكوافور” كما يقول “الجواجلة”.