الجزائر
نزوح نحو الشواطئ والمرتفعات

الزئبق تخطى 48 درجة… هكذا يواجه سكان الشلف موجة الحر

الشروق أونلاين
  • 1022
  • 0
ح.م
تعبيرية

تعيش ولاية الشلف منذ أيام على وقع موجة حر استثنائية تجاوزت فيها درجات الحرارة عتبة 48 درجة مئوية، مخلفة آثارا صحية وبيئية واقتصادية واسعة، بعد ما تسببت في ارتفاع حالات الإصابة بضربات الشمس، ونفوق أسراب من الطيور، وإتلاف مساحات معتبرة من المحاصيل الزراعية، فضلاً عن اضطراب وتيرة الحياة اليومية، ما دفع آلاف المواطنين إلى الفرار نحو الشريط الساحلي والمرتفعات الغابية بحثًا عن نسمة هواء باردة، علما أن ولاية الشلف توجد فيما يسمى بـ”مثلث النار” الذي يضم إلى جانب الشلف كل من ولايتي غليزان وعين الدفلى، وهو المثلث الذي يشهد تسجيل درجات حرارة قياسية، مقارنة بباقي مناطق الوطن.
أمام موجة الحرارة غير المسبوقة، أصبحت الشواطئ الوجهة المفضلة لسكان الولاية، حيث يستقطب الشاطئ المركزي بمدينة الشلف أعدادا كبيرة من العائلات بفضل توفر النقل الجماعي، في حين يفضل أصحاب المركبات الخاصة التوجه إلى شاطئ الرمال الذهبية بالدشرية على الحدود مع مستغانم، أو إلى شواطئ ببلدية بني حواء على الحدود مع ولاية تيبازة.
وفي المناطق الداخلية، لم يجد شباب أولاد بن عبد القادر والرمكة والحجاج وواد سلي متنفسًا سوى مياه سد سيدي يعقوب ومصبه، هروبا من الحرارة المرتفعة، بسبب بعد الشواطئ وصعوبة التنقل إليها.
ويتكرر المشهد ذاته بمنطقتي الكريمية وبني بوعتاب، حيث يقصد السكان المجمعات المائية للسدود، بينما يلجأ آخرون إلى المسابح العمومية مقابل مبالغ تتراوح بين 200 و500 دينار.
كما تفضل العديد من العائلات مغادرة منازلها خلال الفترة المسائية، والتوجه إلى المنتزهات والغابات الممتدة عبر سلسلتي الظهرة والونشريس، لقضاء السهرة في الهواء الطلق إلى غاية ساعات الفجر.

عزوف كبير عن الأعمال الشاقة
ويقول حميد، صاحب مخبزة ببلدية أم الدروع، إن العمل أصبح أكثر مشقة في ظل اجتماع حرارة الطقس مع حرارة الأفران، ما تسبب في عزوف عدد من العمال عن مواصلة العمل، وصعّب عملية توفير اليد العاملة رغم الحاجة المتزايدة لإنتاج الخبز.
أما عبد القادر، العامل بإحدى شركات تعبيد الطرقات، فأكد أن درجات الحرارة المسجلة هذا الموسم تجاوزت المعدلات المعتادة، مشيرًا إلى أن الحل الأنسب يتمثل في تحويل ساعات العمل إلى الفترة الليلية بالنسبة للأشغال التي لا تؤثر على مصالح المواطنين، حفاظًا على صحة العمال وضمان استمرار المشاريع.
ومن جهتهم، اضطر العديد من الفلاحين إلى تغيير نمط عملهم، فأصبحوا يباشرون الأشغال مباشرة بعد صلاة الفجر إلى غاية التاسعة صباحًا، ثم يستأنفون نشاطهم بعد السابعة مساءً، تفاديًا للتعرض المباشر لأشعة الشمس.

الاستعجالات تستقبل عشرات المصابين
تحولت مصالح الاستعجالات بالمؤسسات الصحية حسب مصادر استشفائية، إلى وجهة لعشرات المصابين بضربات الشمس، حيث مثلت هذه الحالات نحو 10 بالمائة من مجموع الوافدين على أقسام الاستعجالات، وشملت الإصابات كبار السن والأطفال والمصابين بالأمراض المزمنة، إضافة إلى حالات إغماء وجفاف وإجهاد حراري وآلام في الرأس والتقيؤ. وبالموازاة مع ذلك، كثفت مصالح الحماية المدنية تدخلاتها لإجلاء المصابين، كما سجلت العديد من حرائق المحاصيل الزراعية والمنازل.
وأكد المكلف بالإعلام والاتصال بمديرية الحماية المدنية، الرائد “سيد أحمد تقار” لجريدة الشروق، أن الحصيلة الأولية تشير إلى تسجيل أكثر من مائة حريقً أتلفت قرابة 200 هكتار من مختلف المحاصيل الزراعية، وأكثر من أربعة آلاف حزمة تبن، ونحو 400 شجرة مثمرة وغابية عبر عدة بلديات، مؤكدًا أن هذه الحرائق ساهمت في زيادة حدة الحرارة بالمنطقة.

تحذيرات صحية ودعوات لتفادي التنقل نهارا
وأمام استمرار موجة الحر، أصبحت أجهزة التكييف الوسيلة الأساسية للعائلات لمواجهة الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، رغم انعكاساتها على فواتير الكهرباء. وفي هذا الإطار، دعت الطبيبة “حبيبة تواتي” المديرة الفرعية للمصالح الصحية بمستشفى الأختين باج بحي بن سونة، كبار السن والأطفال والمرضى المزمنين إلى تجنب الخروج بين الساعة العاشرة صباحًا والخامسة مساءً، مع الإكثار من شرب المياه، وتفادي التعرض المباشر لأشعة الشمس.
كما دعا رئيس المكتب الولائي لنقابة نقل المسافرين، “بخة عبد الرزاق”، أصحاب الحافلات وسيارات الأجرة إلى برمجة الرحلات خلال ساعات الفجر، خاصة عبر محاور الشلف – عين الدفلى والشلف – غليزان، لتفادي الأعطاب الميكانيكية والإرهاق الذي يتعرض له السائقون والمسافرون، في وقت اشتكى فيه مستعملو الطريق السيار من نقص مرافق الراحة، ما يدفع الكثير منهم إلى التوقف تحت ظلال الأشجار لتبريد مركباتهم.

نفوق أسراب من الطيور
وامتدت تداعيات موجة الحر إلى المنظومة البيئية، حيث سجل نفوق أعداد من اللقالق البيضاء والحمام، كما شوهدت حيوانات برية تغادر الغابات الجافة باتجاه المناطق السكنية بحثًا عن الماء.
وفي مواجهة هذا الوضع، باشرت محافظة الغابات بالتنسيق مع جمعية الصيد البري عمليات تهيئة مشارب مائية بأعالي جبال الونشريس، وإعادة تأهيل عدد من المنابع التي طمرتها فيضانات الشتاء، بهدف توفير المياه للحيوانات البرية والطيور والحد من خروجها إلى المناطق المأهولة.
كما أتلفت الحرارة جزءًا من المحاصيل الزراعية، وألحقت أضرارا بأوراق الكروم والنباتات الموسمية، وحتى النباتات الشوكية المنتشرة بأعالي الظهرة والونشريس، في مؤشر واضح على حجم الإجهاد المناخي الذي تعرفه المنطقة.

تضامن شعبي
وفي المقابل، برزت مبادرات تضامنية لافتة، حيث عمد عدد من المحسنين إلى وضع قوارير ودلاء مياه باردة على قارعة الطرق لفائدة المسافرين، فيما خصص آخرون أواني مملوءة بالمياه فوق أسطح المنازل وبجوارها لسقي الطيور والحيوانات التي أنهكها العطش.
ومع محدودية فضاءات الترفيه، ونقص الحدائق العمومية، وغلق العديد من النافورات والأحواض المائية، وتمركز أغلب المسابح بعاصمة الولاية، وجد آلاف الأطفال والشباب أنفسهم مضطرين إلى التوجه نحو الشواطئ، بما فيها الشواطئ الممنوعة للسباحة، أو السدود والأودية والبرك الفلاحية، رغم ما تشكله من مخاطر على حياتهم.
كما فرضت موجة الحر نفسها على النشاط الاقتصادي، حيث قلصت مؤسسات الإنتاج ومقاولات البناء ساعات العمل، بينما تحولت الأسواق الشعبية إلى النشاط الليلي، إذ تغلق أغلبها أبوابها بعد التاسعة صباحًا لتستأنف نشاطها ابتداءً من السابعة مساءً إلى غاية منتصف الليل.
من جهتهم، طالب الفلاحون بتسهيل إجراءات الحصول على رخص حفر الآبار لمواجهة الجفاف والحفاظ على الإنتاج الفلاحي، في ظل استمرار موجات الحر التي باتت تشكل أحد أبرز التحديات المناخية التي تواجه ولاية الشلف، زيادة بناء الأحواض المائية بالمناطق الغابية والمرتفعات العالية، والرفع من معالجة مياه الصرف الصحي وتحويلها لعمليات السقي.

مقالات ذات صلة