الزلة.. بيً
استيقظت اليوم باكرا: ساعتان قبل آذان المغرب، وهذا لشيء واحد هو شراء الزلابية. فالمكان الذي قيل لي عنه أن الزلابية تباع فيه، يقع بعيدا عن المدينة: في فيلاج يبعد عني بنحو 45 كلم. والزلابجي، تونسي عاش في العراق، واشتهر أنه يصنع الزلابية كما يصفها شاعر عراقي قديم يسمى ابن الرومي (أنا شخصيا لا أعرف ابن الرومي هذا، لأني كنت صغيرا وقتها، وإنما سمعت عنه من ابني الكبير الذي قال لي أنهم كانوا يقرؤون عنه في الأدب في الليسي).
أخذت “البيس” إلى الحافلة التي تأخذ إلى قرية “بوحمير”، التي قيل لي إن الزلابجي التونسي يبيع فيها الزلابية مليحة ورخيصة. قطعت المسافة بشق الأنفس وأنا صائم مع الحرارة وكثرة الراكبين مع أكياس مؤنهم التي كانت أكثر من الراكبين حجما. وصلت إلى المكان بعد 45 دقيقة. اهتديت إلى المكان بسرعة، فالكل هنا يعرف “التونسي”، ثم أن الطابور الذي كان يصل إلى غاية الطريق الرئيسي الذي يقطع الفيلاج إلى نصفين، كان “البعرة التي تدل على البعير”. وصلت بعد عناء دام 35 دقيقة في الطابور، لأجد نفسي أمام محل بيع الزلابية نتاع التونسي نتاع العراق نتاع ابن الرومي: المحل، كان عبارة عن قاراج ميكانيكي سيارات: الزيوت ورائحة المازوت والجدران التي رغم مسحة الطلاء الأبيض الخفيف، كان لا يزال آثار “الغريس” وزيت المحركات وآثار الأصابع وأيادي عليه بادية كبقايا ظاهر الوشم على اليد. مع ذلك، الزلابية كانت شهية، تغني عن رائحة المازوت ووسخ الزيت والمحل برمته. حتى العاملان الاثنان اللذان كانا يساعدان التونسي في القلي والبيع، كان يبدو عليهما مظاهر الميكانيكيين نتاع الزلابية. ملابسهما متسخة بالزيت والعسل والمازوت أيضا. فهمت أنهما يشتغلان ميكانكيين خلال أشهر السنة الإحدى عشر، ويعملان هنا مع التونسي في رمضان في تحضير الزلابية. الغريب، أن عنصرين من الشرطة “الموطار”، بلباسهما المهني، كان هنا، لكنهما لم يسيرا في الطابور، والله أعلم، لم يدفعا الثمن .
اطمأننت للوسخ وقلت في نفسي: ماذا يهمني إن كان المحل وسخا مادامت الزلابية حلوة؟ وما يهمني لسع النحل أمام حلاوة العسل؟. اشتريت 3 كيلوغرام دفعة واحدة، ولو كان معي نقود أكثر لاشتريت خمسة. فالناس، كان أقلهم شراء، هنا يشتري 2 كلغ، وبالصراخ والتدامر والدباز وأحيانا بالسب والشتم وتطياح الكلام..(وهم صائمون).
وصلت إلى البيت بنفس الطريقة، لكن مع ضياع للوقت أكثر بسبب ضغط النقل مع اقتراب المغرب. أذن على المغرب وأنا في الحافلة، فلم يكن في وسعي سوى أن أنهلت على الزلابية “أفرق بها الصيام” عوض السجائر والماء. لأول مرة أخرج عن العادة. 3 كلغ من الزلابية التهمتها قبل الوصول إلى البيت. ذهبت مباشرة إلى النوم حتى يوم الغد كالعادة.. لكن هذه المرة مش في البيت.. في السبيطار.