الزمياطي والشعبوية!
التقيت دكتورا متخصصا في الاقتصاد ونظام البنوك، وكان محللا بارعا وواقعيا، وقال بالفمّ المليان بلغة الاقتصاد: الجزائر تواجه مشكلة اقتصادية بسبب تراجع عائدات البترول، ولا تواجه أزمة مالية، لكن هذه المشكلة قد تؤدي في الأخير إلى أزمة ما لم تتخذ الإجراءات اللازمة!
هذا الكلام متخصص لرجل اقتصاد وعلوم، لكنه قد يتعارض مع رؤية السياسيين الذين ينظرون إلى ماهية الأشياء وفق منظور سياسي، يبدأ وينتهي بالآثار التي قد تؤدي إليها أيّ قرارات، بمعنى أن رجل الاقتصاد يطرح الحلول من دون أن تهمّه المآلات سياسيا، بينما السياسي يحلّ دائما المشكلة سياسيا، ولا تهم النهايات الاقتصادية!
مشكلة المختصين والوزراء، في مواجهة أزمة أو مشكلة أزمة البترول، أنهم يتفقون في التشخيص الأولي، لكنهم يصطدمون عندما يتعلق الأمر بتفسير الأمور واقتراح الحلول الممكنة ومخارج النجدة، لمعضلة، يعتقد الخبير أنها تـُحل بالاقتصاد، فيما يظن السياسي أنها تحلّ بالشعبوية!
الخبير الاقتصادي، لا تهمّه النظرة السياسية، لأنه ليس سياسيا، وربما لا يؤمن بالسياسة كفن للممكن والكذب، بينما السياسي لا تهمّه بالمقابل النظرة الفلسفية والمكتبية للخبير الذي يفسّر فصول المشكلة من الجانب العلمي للظاهرة، بغض النظر عن تداعياتها سياسيا، ويراها ضربا من “الزمياطي”!
ولهذا السبب مثلا، اختلف وتشابك ووصل الأمر إلى حدّ التهديد والشكوى، بين الخبير مبتول، والوزير بن خالفة، فالأول يتكلم كاقتصادي، والثاني نزع الآن معطفه كخبير وأصبح يتكلم ويقرّر كسياسي، ولذلك اختلف “الصديقان” وتحوّل إلى “عدوّين” لا يلتقيان في التحليل وتفسير الأزمة!
هكذا هو السياسي، لا يُريد إلاّ سماع صوته، وهكذا هو الخبير أسير الكتب والأبحاث والتنظير، والضربة القاضية تكون دائما للمجموعة الصوتية التي تغرّد خارج السرب، وفي أزمة البترول، الكثير من المشاهد والتجارب، التي يندى لها الجبين وتثير الاستفزاز والاشمئزاز!
المصيبة أن خبراء “ينتقمون” من وزراء بالتقارير السوداء وأحيانا الافتراضية والمفبركة والمضخمة، ونظير ذلك، فإن وزراء “يقمعون” خبراء ويمنعونهم من إبداء الرأي، أو يتفـّهون تحذيراتهم التي تكون أحيانا مؤسّسة، ولذلك أضحت الأزمة الاقتصادية حتما مقضيا، وغابت الحلول أو في أحسن الأحوال تأجلت إلى إشعار غير مسمى!
سيكون مفيدا لهؤلاء وأولئك، لو اجتمع “الشريكان” حول طاولة واحدة، فتحضر المقترحات والحلول والبدائل، عوض الغرق في مستنقع “أنا أو لا أحد”، أو “فولتي وإلاّ..في الكانون”!