الشروق العربي
حافلة البحر تنقل آلاف الشباب إلى الضفة الأخرى

“السريع” مفهوم آخر لقوارب الموت.. والحرقة تستهوي المثقفين والعائلات

نسيبة علال
  • 1492
  • 0

“السريع”، المركب الذي يشق أهوال البحر بسرعة مجنونة، لا يعترف بالطقس كثيرا ولا يهمه التوقيت، أصبح يحمل اليوم بعض أحلام وبعض أوهام آلاف الشباب والعائلات من شمال إفريقيا، ليضعها بعد حوالي ساعتين فقط، على ضفاف أوروبا التي ضاقت ذرعا بتدفق وافديها اللامحدود خلال بضعة أشهر الأخيرة.

كانت تسمى غربة، حين كان الوصول إليها بقوارب الموت، أما امتطاء قارب يعبر ضفتين في سويعات قليلة، بسرعة فائقة وبدرجة عالية من الأمان، فقد نقل نصف أوطان اجتمعت هناك متحدية بعد الأهل فهونت عليها غربتها وتأقلمت معها مجبرة.

نساء يأمن السريع

نساء ورجال، راشدون وقصر، فرادى وأسر، اختاروا الحرقة نحو واقع ومستقبل مجهولين، بعدما وجدوا الوسيلة شبه الآمنة لذلك، ثم في مغامرة أطول، وربما أشد خطرا من الحرقة بحرا، يجوب الحراقة مدنا للوصول إلى مناطق التمركز، على غرار باريس وليون المدينة الفرنسية الغائرة في قلب فرنسا، أين يصبح على الجميع الظفر بعمل في أقرب وقت لتوفير أدنى ضروريات العيش، بعدما باعوا كل ممتلكاتهم في الوطن.. تتحدث مايا، ذات سبع وعشرين سنة، عن تجربتها: “بعد طلاق والدي، فكرت في الحرقة منذ سن الـ 19، ترددت خوفا من الموت، تخرجت بامتياز، ثم أنشأت مشروعا بقرض كناك، وعملت حتى جمعت بعض المال، وأخذت أتابع تطورات الهجرة غير الشرعية، فوجدت نساء من مختلف الأعمار يركبن “السريع”.. لم أتردد في بيع عتاد ورشتي لصناعة مواد التجميل وغادرت في رحلة مرهقة محفوفة المخاطر، وبعد سنة من العمل الشاق في محل لصناعة الحلويات التقليدية التونسية، تمكنت من إيجار سكن خاص أستقل فيه براحتي”.

120 مليون، أي مغامرة تستحق؟

للحصول على مقعد في “السريع”، يجب أن تحدد الميزانية، فهي التي تتحكم مبدئيا في مدة الرحلة من خلال المحرك الذي سينقل الجماعة، ابتداء من 80 مليونا إلى غاية 160 مليون، سيكون كل فرد على علم بمستوى الأمان والسرعة، وبعض الظروف التي ينتقل فيها الحراق باتجاه شواطئ إسبانيا على الأغلب، أو فرنسا، ونادرا إيطاليا، وتظل هناك معطيات أخرى تتعلق بالحظ، من سيغادر ضمن الفريق عبر “السريع”؟ وكم شخصا ومن يقود الرحلة؟ أما الطقس وحالة البحر، فشأن مختلف تماما.

هذه التحديات تضاف إلى المبلغ المبلغ الذي قد يتضاعف مرتين أو ثلاثا أو أكثر، إذا كان “الحراقة” من عائلة واحدة، وتجعل من قرار ركوب السريع مغامرة مجنونة، تدعو إلى التساؤل: من أين يحصل بطال على المال؟ ولماذا يهاجر بطريقة غير شرعية من يمتلك هذا المبلغ؟ سؤال يجيب عنه نذير من العاصمة، الذي ركب السريع قبل أشهر، رفقة زوجته وابنه ذي السنتين: “كان لي محل صغير لتجارة ملابس الأطفال، بعد عدة محاولات فاشلة لمشاريع مختلفة، بعت إلى جانب كل ممتلكاتي من سيارة وأدوات كهرومنزلية، ثم تخلت زوجتي عن خبرتها في التعليم التي فاقت 9 سنوات، لم يكن هناك مجال للبقاء في الوطن.. لذلك، اخترنا أكثر وسيلة آمنة، وهي ركوب “السريع” بـ 120 مليون للمقعد الواحد، بعدما تحصلنا على رفض التأشيرة”.

بعد قربهم من الحلم.. حراقة يروجون للسريع عبر المواقع بقصص نجاحهم

يقول أحدهم: “من اشتاق إلى أمو، مارسيليا تلمو”، فهذه المدينة التي تنتهي بها فرنسا على ضفاف المتوسط، أصبحت مزارا للحراقة، الذين تتعفن أرواحهم من رطوبة المناطق الأخرى، فيلجؤون إلى حيث القليل من الشمس، ورائحة أوطانهم، التي لا يملكون العبور إليها من دون وثائق، هناك يلتقي الحراقة القادمون عبر السريع يتبادلون قصصهم ورواياتهم عن تجارب الحرقة الناجحة، ويصورون مقاطع فيديو تنتشر كالنار في الهشيم على مواقع الإنترنت، فايسبوك وتيك توك، يوتيوب وأنستغرام، لتؤثر في كل من يمتلك نية الهجرة، وحتى في أولائك الذين لم يفكروا فيها بجدية، حتى أصبح “السريع” أو الحرقة باهظة الثمن الخيار الأول دون حتى أي محاولة للحصول على تأشيرة أوروبية..

مقالات ذات صلة