السموم البيض والقلوب السود
يئنُّ المجتمع الجزائري في السنوات الأخيرة من مخاطر فيروس المخدرات، الذي دمّر الكثير من العائلات، وجعل بعض الشباب وحتى الأطفال في حالة سُكر دائم، لا يدرون واجبا لهم ولا حقوقا في الحياة، ويتفقدون أحيانا الزمان والمكان، وتطوّر الأمر من حشيش يُمكن مراقبته وكبحه مهما كانت حيل المتاجرين فيه، إلى “أدوية” خطيرة يساهم للأسف بعض عمال مهن الطب والصيدلة والتجارة في ترويجها.
ويمكن أن نقول إن الإدمان مرضٌ خطير، تشخيصه قد يكون نصف العلاج أو العلاج كله، ومجرد تحرّك الحكومة في الآونة الأخيرة لأجل القيام بتعديلات مهمة، خاصة على مستوى العدالة من الوقاية والردع إلى العقاب، وتسمية وزارة الداخلية أسماء الجناة بأسمائهم الحقيقية وعلى رأسهم دولة المخزن التي لم تكتف بكونها صاحبة “الريادة” عالميا في إنتاج مختلف أنواع السموم فقط، بل تقوم بعملية تسميم من خلال تهريب أطنان من هذه المنتجات ذات صفة “مصنوع في المغرب” إلى الجزائر، في محاولة لضرب المجتمع الجزائري في الأعماق وإفقاده تركيزه وثباته.
وإذا كانت عمليات المخزن معروفة من عقود، وتأخذ الآن ألوانا صهيونية، فإن المشاركين في هذه الصفقات الدنيئة، من داخل البلاد، يجب أن ينالوا حسابهم على جريمة التسميم والخيانة العظمى، وعلى المجتمع قاطبة أن يكون طرفا مدنيا في هذه القضية المصيرية، ليس بالتبليغ عن المروِّجين والمتعاطين للسموم فقط، وإنما من خلال حملة شاملة من الوقاية والتوعية تكون أشبه بمشروع أمّة أخلاقي، لا يُبقي هذه الفيروسات والأوبئة ولا يذر.
تُطلعنا مصالح الأمن والدرك الوطني والحماية المدنية على كثير من البيانات بشكل يومي عن جرائم وتجاوزات وأحداث، وإذا كان سوء التقدير والتدبير والأعصاب والجهل هي الأسباب التي كانت تُذكَر مع كل حادث أو جريمة، كسبب رئيس، في زمن مضى، فإنها الآن اقترنت بتعاطي السموم وخاصة هذه الحبوب المهلوِسة التي صارت سببا في قيادة مراهق لمهاجمة محل تجاري أو مسكن آمن في وضح النهار، أو ثورة تلميذ في وجه معلمه أو والده، أو حتى في جرائم القتل الفظيعة في حق الأبرياء التي لم يكبحها شهرُ الرحمة، فتغلّب القلب الأسود والسم الأبيض، على كل الألوان الجميلة التي يتميز بها شهر الرحمة رمضان، ويتميز بها ربيع البلاد المزهر.
“إن مع العسر يسرا”، هو العنوان الذي نتفاءل به بعد القرارات والتحرُّكات الأخيرة، على أمل أن تلعب الأسرة والمجتمع المدني بكل أطيافه وخاصة المعلمين دورهم لإنجاح هذه الخطط، وإحباط المخططات التي يراهن عليها أهل المخزن، من أجل تفكيك العائلة الجزائرية التي شكَّل ترابطُ أفرادها وسلامة عقولهم وتمسُّكُهم بدينهم، عقدة لدى مخزنٍ كان يشاهد نفسه في المرآة بآفاته المرسومة على محياه، فيشعر بالنقص أمام الجار، وبدلا من أن يرتقي هو إلى أخلاق غيره، أراد أن يُنزلهم إلى أخلاقه المعجونة بـ”الحشيش”.