السنة ”الشفافة”
عندما قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي، رشيد حراوبية، في افتتاح السنة الجامعية الجديدة، أن الجزائر بعد أن قاربت رقم المليون ونصف مليون طالب، بات محتّما عليها الاهتمام بالنوعية بعد أن ضمنت الكمية، هلّل البعض لهذا الاتجاه واعتبرته الغالبية طعنة في جسد أهم قطاع مستقبلي في الجزائر، لأن هذا الكلام قد يعني أن الجزائر أفنت العمر “النفطي” في إنجاز الجامعات الإسمنتية، التي فاق عددها الستين، وإقامات “النوم” الجامعية، التي فاق تعدادها الثلاثمئة، وسَجنت بين جدرانها شعبا فاق تعداده المليون وثلاث مئة ألف نسمة، دون أن تباشر الرقي بنوعية هذا الشعب، الذي أخرجناه من برامج التنمية السابقة والحالية، ومن الحوار السياسي الذي قد تباشره الدولة لأجل إنقاذ البلاد والعباد، من أخطاء العباد في حق البلاد.
-
الجدل القائم حاليا بين من يتهم الطلبة بـ”الدلع” كونهم يدرسون بالمجان ويبيتون بالمجان ويتنقلون بالمجان ويأكلون بالمجان، وينالون شهادات التخرج على بياض، دون جهد واجتهاد، وبين من يرى أن الطالب ضحية منظومة تعليمية أنسته دوره الحقيقي، وجعلته يُمضي عمره الجامعي في الطوابير، وجعلت الجامعات التي يدرُس فيها تحتل المراتب الأخيرة في العالم، هذا الجدل يضعنا أمام حقيقة واحدة، وهي أن الجامعة الجزائرية مريضة منذ أن حوّلناها إلى بلد قائم بذاته، يفوق تعداده تعداد بلدان أوروبية مثل قبرص وإيسلندا، وتفوق ميزانيته مداخيل بلدان آسياوية وإفريقية، من دون أن نوفّر لهذا البلد القيادة والقاعدة التي تجعله جمهورية فاضلة، في بلد شبه ضائع كما هو حاصل في بلدان كثيرة، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية التي منحت جامعاتها للبشرية أزيد عن خمسمئة عالم، حصلوا على جائزة نوبل في مختلف العلوم..
-
جامعة تلمسان “أبو بكر بلقايد” التي تحتضن حاليا جزءا مهمّا من سنة تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية، حصلت على أحسن ترتيب جامعي ضمن الجامعات الجزائرية في تصنيف ويبوماتريكس الإسباني، والمرتبة هي صادمة لما بلغناه من تخلف، حيث قبعت في المركز 6275 عالميا.. وخبراء الجامعة عندنا يقولون إن الجزائر شهدت منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، هروب ما لا يقل عن سبعين ألف إطار، هم بالتأكيد من خريجي هذه الجامعات، والإحصاءات العلمية تؤكد أن الجزائر خسرت ما لا يقل عن أربعين مليار دولار، بسبب نزيف الأدمغة الذي صار قاعدة عندنا، فهل يمكننا أن نحلم الآن بالنوعية؟
-
الجزائر تمكنت من أن تُقنع رايس مبولحي، الذي هو من أب كونغولي، على تقمص ألوان الجزائر، وأقنعت حسان يبدة ومراد مغني، اللذين أحرزا بطولات عالمية مع منتخب فرنسا، من أجل أن يملأوا ملاعبنا جريا، في لعبة هي بالتأكيد لن تفك أزماتنا المعقدة، حتى لو فزنا بكأس العالم مدى الحياة، ولكنها في المقابل، مازالت تتعامل مع قطاع التعليم العالي ومع الإطارات والطلبة، وكأنه رف من رفوف الأرشيف.
-
قد يكون السيد حراوبية في آخر زياراته الداخلية على حق، عندما قال إن الجامعات لم تشهد أي احتجاجات، ولا خوف من سنة بيضاء، لأننا فعلا لا نشاهد أي بياض في هذه السنة، وفي التي سبقتها والتي تليها، فاللون ـ للأسف ـ شفافٌ، حتى لا نقول شيئا آخر.