-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مرافق ومواقع ثورية وأثرية هامة تفتقد إلى إستراتيجية فعّالة

“السياحة التاريخية” في الجزائر تغري الزوار وتحتاج إلى عناية واستثمار

صالح سعودي
  • 1023
  • 0
“السياحة التاريخية” في الجزائر تغري الزوار وتحتاج إلى عناية واستثمار
أرشيف

تعرف السياحة التاريخية في الجزائرية حركية مهمة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل استقطابها عددا كبيرا من الزوار الذين يقصدون مختلف المرافق والمواقع الثورية والأثرية المتواجدة في مختلف ولايات الوطن، ما جعل الكثير يشيد باستعادة المواطن الجزائري ثقافة المتاحف والمواقع الأثرية والثورية وفق سياحة تاريخية تتكامل مع بقية الأنواع الأخرى من السياحة في حال الحرص على ضبط إستراتيجية فعالة تعود بالفائدة على الزوار وخزينة الدولة.
أشاد الكثير من المتتبعين بالديناميكية التي عرفتها السياحة التاريخية في الجزائر، وهذا بناء على الأجواء التي تميز الكثير من المرافق المعروفة وسط انتشار واضح لثقافة الرحلات العائلية والجماعية في إطار التثقيف والاطلاع وحب الاكتشاف، وبذلك تعدّ السياحة التاريخية مكمّلة للأنواع الأخرى من السياحة، سواء الموسمية أو السنوية، مثل السياحة الساحلية والجبلية والصحراوية والشتوية وغيرها، وهو الأمر الذي حفز مؤسسات الدولة على تسخير إمكاناتها لتحفيز المواطنين على اكتشاف خبايا بلادهم والاطلاع على الكنوز المخفية في مختلف ربوع الوطن، ناهيك عن الترويج الحاصل على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الذي استقطب سياحا من بلدان عربية وأوروبية قدِموا من أجل اكتشاف أماكن ساحرة مثل تيمقاد وغوفي وجميلة وشرشال وتيبازة وجانت وتيميمون، ومواقع أخرى ساحرة في الشمال وجنوبنا الكبير، وكذلك في ولايات من الشرق والغرب.
يحدث هذا في الوقت الذي يجمع الكثير على ضرورة الاهتمام بمختلف المكاسب التي تعرفها الجزائر من مرافق ثورية وأثرية في حاجة حسب العارفين إلى مزيد من العناية والاستثمار، وهذا بغية المساهمة في تجسيد إستراتيجية تسمح بضمان خدمات راقية تسهل المهمة لاستقطاب السياح من الوطن والخارج.

فضاءاتٌ سياحية مغرية
يؤكد الأستاذ عيسى بلخبّاط في حديثه مع “الشروق” أن الجزائر تمتلك فضاءات سياحية متنوعة تجمع بين الأماكن الأثرية والثقافية، نذكر منها على سبيل المثال المدن الأثرية الرومانية في تيمقاد ولامبيز وجميلة ومداوروش وشرشال وتيبازة… إضافة إلى الكثير من المناظر الطبيعية الفريدة على غرار منطقة غوفي بولاية باتنة ومنطقة الأهقار وتيميمون وجانت في الجنوب الجزائري، ناهيك عن الكثير من الموقع السياحية الجميلة على طول الشريط الساحلي للوطن.
وحسب محدثنا، فإن مساهمة قطاع السياحة في الاقتصاد الوطني تبقى محدودة رغم التحسن المسجل على مستوى عدد السياح الأجانب الوافدين إلى الجزائر في العامين الأخيرين، مضيفا: “إننا بحاجة إلى تكثيف الجهود لترقية السياحة وذلك عبر الترويج للمواقع السياحية التي تزخر بها الجزائر وتشجيع الكثير من صانعي المحتوى في الجزائر الذين يمتلكون نسبة كبيرة من المتابعين للقيام بهذه المهمة، نظرا لأهمية الإعلام في هذا الجانب، وتشجيع الاستثمار في قطاع السياحة لتوفير هياكل الاستقبال والإيواء، وتسهيل الإجراءات الخاصة بمنح التأشيرة للسياح الأجانب الراغبين في زيارة الجزائر، والعمل على ترميم الكثير من المواقع الأثرية وحمايتها من الاندثار”، مع ضرورة وضع سياسة على المدى المتوسط واضحة المعالم تهدف إلى ترقية السياحة ورفع نسبة مساهمتها في الاقتصاد الوطني.

السياحة التاريخية تستقطب الزوّار
من جانب آخر، يرى البروفيسور ميلود مراد من جامعة باتنة 1 بأن السياحة التاريخية تعدّ من بين أحسن الأنواع السياحية استقطابا للسياح، سواء أكانوا سياحا داخليين أو خارجيين. وتكمن أهميتها حسب محدثنا أنها غير مصطنعة، بل هي نتاج الزمن وما خلده من مآثر للشعوب، مضيفا بالقول: “يعدُّ هذا النوع من السياحة المحبب للجمهور، لأنه لا يجده في كل الأمكنة، ولا حتى في الدول التي تبلغ من التطور أشواطا كبيرة”، مضيفا أن الجزائر هذا البلد الذي بحجم قارة بتنوع تاريخه وثقافاته يمتلك من المقومات السياحية التاريخية ما لا تمتلكه دول أخرى شقيقة، غير أنها استطاعت هذه الدول أن تسوِّق لتاريخها جيدا، من خلال التركيز على التسويق الإعلامي والدعاية، وتشجيع السياحة به، مؤكدا أن منطقة الأوراس تعدّ من المناطق السياحية المهمة بالجزائر، وجاءت هذه التسمية لتواجدها بجانب جبال الأوراس التي تضم ولايات معينة أهمها باتنة وأم البواقي وخنشلة وتبسة وبعض من بلديات ولاية بسكرة.
ويرى الدكتور ميلود مراد بأن لمنطقة الأوراس ثقافة ولغة وعادات وتقاليد ضاربة في عمق التاريخ، وهي تحاكي التاريخ في كل مراحله، ولها من الإمكانات السياحية ما لم تمتلكه ولايات أخرى، ولها العديد من المزارات السياحية التاريخية، لا يعرف عنها حتى سكان المنطقة، ومن بين المناطق التي تستحق الزيارة والإشادة بها حسب محدثنا نجد ضريح إمدغاسن الذي يقع أعلى هضبة شمال شرق ولاية باتنة بارتفاع 19 متراً ومساحة 59 متراً، ويعود تاريخ إنشائه إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وتمتزج الثقافة الشرقية والإغريقية في إنشائه. وكذلك مدينة تيمقاد الأثرية التي تُعتبر واحدة من أهم الأماكن الرومانية، وتُعرف بوجود أربع بوابات لها أسقف وأعمدة بأشكال مربّعة ودائرية تؤدي إلى مفارق متعددة بالولاية، بالإضافة إلى احتوائها على المباني الأثرية العريقة مثل الحمامات والمرافق المختلفة المشيَّدة على الطراز الروماني، كما يمكن ذكر موقع طبنة الأثري الذي يبعد عن وسط مدينة بريكة بـ40 كم، والذي هو عبارة عن كومة كبيرة من الطمي والتراب يخفي تحتها مدينة بأكملها، مشيرا إلى أن مساحة هذه المدينة تقارب 600 هكتار وبعض معالمها ظاهرة للعيان مثل الأعمدة والخزان المائي والقصر البيزنطي والإسلامي والمسجد الإسلامي والحمّام الروماني والكنيسة والمقبرة.
ومن ناحية المواقع الثورية، يشير البروفيسور ميلود مراد إلى أهمية زيارة المعلم التذكاري الذي يخلد مكان توزيع السلاح بدشرة أولاد موسى، وكذلك مكان انطلاق الرصاصات الأولى لثورة نوفمبر 54 بمنطقة تاغيت الواقعة بأعالي جبال الأوراس بين منطقتي تيغانمين وتكوت بولاية باتنة. وكذلك منزل الشهيد مصطفى بن بولعيد الذي أصبح مزارا حقيقيا يلهم أبناءنا وأجيالنا، والكلام ينطبق حسب محدثنا على معالم تاريخية أخرى ترمز لصمود وشموخ الشعب الجزائري، مثل منزل الشهيد الرمـز العربي بن مهيدي بدوار الكواهي ولاية أم البواقي.

لماذا تفتقد الجزائر إلى سياحة تنافسية؟
لم يتوان بعض المتتبعين عن طرح عديد التساؤلات حول الأسباب التي حالت دون تطور الجزائر سياحيّا رغم توفرها على الكثير من المؤهلات للارتقاء في هذا الجانب، وبالمرة السير على خطى بلدان لها تقاليد هامة.
وفي هذا الجانب يرى الطبيب الأديب الدكتور رمزي بوبشيش بأن واقع السياحة التاريخية في الجزائر عامة من سياحة مواقع أثرية وسياحة أماكن ومعالم ثورية لا يرقى لمستوى السياحة العالي الذي تتمتع به دول عربية كمصر مثلا وأجنبية كتركيا وفرنسا، بل حسب قوله يكاد معدوما أمام الدول ذات الواقع السياحي التاريخي الممتاز على الرغم من غنى الجزائر بمواقع أثرية وتاريخية هامة، وهي التي عرفت مرور عدة حضارات من نوميديين ورومان وعثمانيين ومسلمين، وهي الحضارات ذاتها التي عاصرتها موجودة في الجزائر أو نفسها في دول أخرى عرفت مستوى سياحيا عاليا، مضيفا أن الجزائر عرفت كذلك ثورة من أعظم الثورات ولها صدى عالمي لكن ما تعرفه أماكن الثورة أو المتاحف من سياحة تاريخية هو من الشيء القليل، وأكد أنه مثلما تعرفه الجزائر من واقع سياحي متدني تعرفه الأوراس كذلك وهي التي تحتضن آثارا نوميدية ورومانية إضافة إلى أنها معقل ثوري، والغريب في الأمر أن أبناء الوطن يقبلون على السياحة التاريخية والأثرية في بلدان أخرى أكثر ما يقبلون عليه في الجزائ، مشيرا إلى أن الأوراس يتميز بمواقع تاريخية وأثرية تؤهِّله ليكون معلما سياحيا بارزا بحكم التعدد الحضاري الذي مر على الأوراس، مثل موقع تيمقاد الأثري الروماني والمتحف الملحق به الذي ارتبط بمهرجان فني باسم تيمقاد، إضافة إلى مواقع أثرية رومانية أخرى بتازولت وزانة البيضاء وقصر بلزمة التي تدخل في الإطار الروماني. وحسب محدثنا فإنها لو عرفت اهتماما لفتحت شهية السائح الأوروبي، إضافة إلى وجود متاحف بها آثار ومقتنيات من هذه الحقب من نوميديا كمعلم امدغاسن ورومانية.
وحسب الدكتور رمزي بوبشيش فإن احتضان الأوراس لشرارة الثورة الأولى لها ما يميزها في الجانب من دشرة أولاد موسى ومعلم نادرة مخلدا استشهاد مصطفى بن بولعيد أب الثورة، ولا ننسى مواقع المعارك الكبرى وما تحتضنه المتاحف في الأوراس من تاريخ يمثل تاريخ المنطقة. مثلما توجد في بقية ربوع الوطن معالم رومانية كتيبازة وسوق أهراس ومسقط رأس قسطنطين وما له من أهمية، إضافة إلى وجود معالم إسلامية بتلمسان وغيرها، من قلعة بني حماد وقصر المشور والقصور العثمانية بالعاصمة والقصبة التاريخية وما تخزنه المتاحف الوطنية من بارادو ومتاحف أخرى من تاريخ الجزائر وكلها كنز سياحي.

المواقع التاريخية والثقافية.. أي إستراتيجية؟!
ومن منطلق أهمية تفعيل السياحة التاريخية والثقافية حتى تكون فضاءات هامة لاستقطاب الزوار والتعرف على التاريخ المجيد للجزائر على مختلف الحقب والعصور، فقد ذهب الكثير إلى ضرورة رسم إستراتيجية فعالة تعود بالفائدة من هذا الجانب، وبالمرة السير على خطى البلدان التي حوّلت السياحة إلى مورد اقتصادي هام يمنح إضافة نوعية من الناحية المالية والثقافية، مثلما يعطي صورة مشرفة عن الجزائر في الخارج على ضوء انطباعات الزوار والوافدين من مختلف البلدان العربية والغربية.
ولم يخف البروفيسور وليد بوعديلة من جامعة سكيكدة قلقه في هذا الجانب، مؤكدا أن فتح أوراق السياحة التاريخية والثقافية في الجزائر، يجدد التساؤل عن غياب الإستراتيجية والخطط، أو على الأقل لعدم جدواها وفاعليتها حسب قوله. ويشير الدكتور بوعديلة إلى عديد الجوانب السلبية التي تجمع بين التقصير ونقص الاهتمام، بحكم أنه في كثير من الأحيان تتجه الوفود السياحية نحو بعض الأماكن التاريخية التراثية أو الثورية، لكن لا تجد من يرشدها ويوجهها ويمنحها المعلومة، سواء شفهيا أو بتقديم المطويات والكتيبات، أو على الأقل بوضع لافتة كبرى في مدخل المواقع، فيها معلومات عن الحدث التاريخي والسياسي والبعد الثقافي والديني للمكان. مضيفا: “أعرف زوارا ذهبوا لقصر المشور بتلمسان وأخذوا الصور، لكنهم لا يعرفون تاريخه وما هو دوره وما حدث فيه، وفي أي زمن تم بناؤه، لأنهم كما قالوا دخلوا وخرجوا وصوروا دون أن يوجههم أي شخص؟!”.
ويسرد بوعديلة نموذجا آخر من نماذج غياب الاهتمام والتوجيه والاستهانة بالسياح بالقول “أعلمني صديقٌ أنه وصل متأخرا بخمس دقائق عن زمن غلق المسرح الروماني بقالمة، مع ابنته، لكي يريها المسرح على المباشر، بعد أن درست عنه في كتاب المدرسة، لكن الحارس لم يُدخله وقال له: “عد غدًا”، رغم أن الصديق سافر من سكيكدة إلى قالمة..؟!. كما تحدّث الدكتور بوعديلة عن نموذج آخر يُصنَّف في خانة الإهمال بالقول: “يوجد معلمٌ تاريخي هام في سكيكدة، هو مركز التعذيب والاعتقال زمن الاستعمار الفرنسي في حي سيدي نصر (منزل الأبطال)، لكنه غير مستغلّ في التثقيف التاريخي الثوري للأجيال، ولم تُستغل مساحته لأي عمل ثقافي أو سياحي أو تربوي، رغم وجوده بجانب الطريق الوطني رقم 44″، ويمكن تحويله حسب محدثنا إلى مدرسة تربوية أو شبابية أو ثقافية، والحفاظ على ما تبقى من جدرانه للتثقيف الثوري والتراثي، ولكي تعرف الأجيال ممارسات الاستعمار وهمجيته في الاعتقال والتعذيب، وهنا نحتاج إلى تنسيق بين مديريات التربية والمجاهدين والسياحة .

استغلال التكنولوجيا للتسويق السياحي
يذهب المهتمون بهذا النوع من السياحة إلى الدعوة إلى ضرورة تدارك مختلف الممارسات السلبية التي حالت دون تطور آليات السياحة ببلادنا، مع ضرورة استغلال التكنولوجيا والتحلي بالتعامل الجيد لترقية السياحة التاريخية والأثرية ولو بصفة مرحلية، وبهذا الصدد يدعو البروفيسور وليد بوعديلة إلى وجوب النظر في المسارات السياحية التي تتحرك فيها الوكالات السياحية الجزائرية، فمن غير المعقول مثلا أن تتجه الوكالات بزبائنها نحو كنيسة سانتا كروز بوهران دمن ون أن تعرّج على مسجد ابن باديس، متسائلا: أين هي السياحة الثقافية في ظل توجه الوكالات بزبائنها نحو المراكز التجارية والشواطئ دون التوجه إلى المتاحف أو إلى نشاطات المؤسسات الثقافية عند نقل سياح من الشرق إلى الغرب والعكس، دون حضور معارض الكتاب والصناعات التقليدية والمسرحيات؟ وقال محدثنا إننا نحتاج إلى وضع استراتيجيات متعددة، مع الاستفادة من تكنولوجيا الاتصال، وتقوية التنسيق والتواصل والتفاعل بين إطارات المؤسسات الثقافية والتربوية والسياحية، وربطها بوعي وحكمة مع قطاع المجاهدين.
ووصل بوعديلة إلى قناعة بأن ترقية السياحة التاريخية والأثرية في إطارها المعرفي والتنموي وكذلك السياحي في الجزائر يتطلب الاعتماد على التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي وحسن استغلالها للترويج على المستوى المحلي والعالمي خصوصا عبر الانستغرام والتيك توك التي تعرف رواجا. ووجب كذلك تفعيل المهرجانات الفنية والثقافية واستضافتها في المواقع الأثرية والتاريخية من دون أن ننسى الترويج لهذه الأماكن في وسائل الإعلام الوطنية والعالمية للتعريف بها. كما يجب حسب محدثنا استضافة هذه المواقع السياحية للأفلام، وبذلك يتم الترويج والتعريف بها محليا وعالميا، معتبرا أن سياسية تمويل الإعلانات في القنوات الأجنبية خطوة فعّالة للترويج لهذه المواقع، لأنه حسب رأيه فإن سياسة إنتاج الكتب والمرشد السياحي في المدارس الخاصة والأكاديميات كلها خطوات تثبت فعاليتها، ما يجعل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي هي الفيصل في وقتنا الحاضر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!