الرأي

السّكن برعاية “الفلانتين”؟!

محمد حمادي
  • 3815
  • 1

في كل مرّة تطلق فيها وزارة السكن صيغة سكنية جديدة، إلاّ وتُقابلها سيول جارفة من الاستفسارات والتأويلات المتلونة بمشاعر الخوف والقلق والريبة، التي ما زالت تحرق أعصاب أولئك الذين يُكابدون شتى صنوف الغبن داخل الأكواخ والخيم والمحلات التجارية وحتى المركبات، التي اتخذوها مأوى لهم، حتى تحولت شقة من ثلاث غرف إلى حلم يستحضرونه آناء الليل وأطراف النهار، بعدما دخلت كثير من مشاريع الإسكان قاموس “غينيس” للعجائب والغرائب، محطمة أرقاما قياسية في تأخر أشغال الإنجاز!

اختيار وزارة السّكن موعد الـ14 فبراير المصادف لعيد الحب أو ما يعرف بـ” الفلانتين” لانطلاق التسجيلات في صيغة السكن الترقوي المدعّم “ألبيا” عبر بلديات الوطن، بقدر ما أعاد الأمل للكثير من الجزائريين الذين فوتوا الاكتتاب في مشروع عدل2، فإنه حمل دلالات ومعانٍ عن علاقات الحب الصافية التي جمعت شبانا وشابات قرّروا الارتباط في الحلال، لكن أزمة السّكن حالت في كثير من الأحيان دون إتمام هذه الرابطة المقدسة، فتسلّل الإحباط إلى الأفئدة واكتوت بنيران الألم والحسرة لأنّ حلم بناء أسرة اصطدم بانعدام المأوى؛  فكيف لا نحطم أرقاما قياسية في معدلات العنوسة لدى النساء؟ كيف لا نحتل المراتب الأولى في نسبة العزوف عن الزواج؟

الحقيقة هي أنّ أزمة السّكن لم تتسبب فقط في العنوسة والعزوف عن الزواج لدى الرجال، بل أحدثت خلخلة في المنظومة النفسية والعقلية لدى مواطنين من الدرجة الثانية، طرقوا جميع الأبواب للظفر بـ”قبر الدنيا”، لكن لم يجنوا سوى الوعود المؤجلة التي صنعت منهم كائنات يائسة تنظر إلى الحياة بنظرة سوداوية.

فرحة كثير من الجزائريين بقبولهم في مختلف الصيغ السكنية سرعان ما تحولت لدى كثير منهم إلى صدمة، بسبب التأخر الفادح في إنجاز السكنات التي انتظروها؛ فهناك من مات ولم يظفر بالشقة الحلم، وآخرون نخرت أجسادهم الأمراض من فرط الخوف والقلق من كابوس التشرد في الشارع، بعدما عجزوا عن تسديد مصاريف كراء المساكن التي يشغلونها، في حين زج البعض بنفسه طواعية داخل أكواخ شبيهة بالزنزانات، فحكموا على أنفسهم بعقوبات قاسية، قوامها سنوات من العمر ضاعت في كنف ضنك العيش، كان لفلذات أكبادهم نصيب منها.

المشكلة ليست في صيغ السكن المختلفة والمتنوعة، وليس في مقدار دعم الدولة والأقساط التي يدفعها المكتتب، مصيبتنا الكبرى في الوعود السرابية التي تتلاعب بمشاعر الحالمين بالسكن؛ فكثير من المقاولات التي أوكلت لها مهمة إنجاز مشاريع الإسكان، لم تحترم آجال التسليم ولا مقاييس البناء؛ فبعد سنوات من الانتظار اصطدم مواطنون بشقق في وضعية كارثية اضطرتهم إلى صرف أموال إضافية.

 المعضلة في أولئك المسؤولين الذين مات ضميرهم وزاحموا الطبقة الكادحة على السكن الاجتماعي؛ والنتيجة الآلاف من الشقق غير مأهولة ويُعشّش فيها الحمام، وأخرى تحولت إلى أوكار لممارسة الرذيلة، في حين تكابد عائلات شتى صنوف الغبن داخل أكواخ لا تقي لا الحرّ ولا القرّ.

مثل هؤلاء الذين عضت عليهم الدنيا بأنيابها يكفرون بـوهم اسمه “الفلانتين” ويسفهون المؤمنين به، لأنهم ببساطة لا يملكون أدنى شروط العيش الكريم وعلى رأسها السكن؛ فهو يعني بالنسبة لهم  الحب الحقيقي والاستقرار والطمأنينة وراحة البال، هو العيش بكرامة، هو أسرة قوامها بنين وبنات يملؤون عليهم الدّنيا.

مقالات ذات صلة