-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ابنة الفنان تتحدث إلى "الشروق أونلاين":

الشاعر والمغني البلجيكي جاك بريل والجزائر

ماجيد صراح
  • 2545
  • 0
الشاعر والمغني البلجيكي جاك بريل والجزائر
Joop van Bilsen—Anefo/National Archives of the Netherlands
جاك بريل، 1963.

لم يتميز الشاعر والمغني البلجيكي الشهير، جاك بريل (1929-1978)، بأغانيه وكلماتها فقط، ولا بتلك الانفعالات التي تظهر عليه أثناء أدائها، بل أيضا بمواقفه السياسية.

أثناء زيارته للجزائر عام 1954، التي كانت تحت الاستعمار الفرنسي آنذاك، تقرّب منه قادة الثورة التحريرية الذين التقوا به في القصبة بالعاصمة الجزائرية، بهدف كسب دعم هذا الفنان الشهير. وهذا ما أسرّه بريل للصحفي جاك دانوا أثناء تسجيله لحصة إذاعية في الجزائر العاصمة بعد جولته الغنائية ذلك العام.

وهو ما أكدته لـ”الشروق أونلاين” ابنته، فرانس، قائلة: “نعم، علمت أن والدي التقى بالفعل بقادة الثورة الجزائرية من خلال شهادة أحد أصدقائه حول هذا الموضوع. لكن من جهتي، لا أستطيع أن أقول أي شيء أكثر من ذلك. لم يكن جاك يتحدث كثيرًا مع بناته، خاصة عن هذا النوع من اللقاءات، ونظرًا لصغر سننا في ذلك الوقت.”

لعبت القصبة دورا مهما إبان الثورة التحريرية (1954-1962). صورة للزقاق أمام “متحف علي لابوانت”، 18 ماي 2023. صورة: ماجيد صراح.

وعلى الرغم من أن جاك بريل لم يُدلِ ببيان علني يدعم استقلال الجزائر في حينه، إلا أنه قال لزوجته ميش وصديقه جورج باسكييه، الذي تعرف عليه أثناء زيارته للجزائر، إن “على الفرنسيين أن يغادروا.*”

في الجزائر رأى جاك بريل فظاعة الحروب بعيون رجل بالغ. وكثيرا ما عبر عن مناهضته للحروب، وفي عام 1959 عبر عن ذلك خاصة من خلال أغنيته “لا كولومب” (الحمامة) التي كتبها وأداها.

تُعلِّق ابنته فرانس على هذه الأغنية والرسالة التي أراد بريل إيصالها عبرها فتقول: “بعد أن عاش فترة الحرب العالمية الثانية في بروكسل خلال طفولته، بدأ والدي في مراهقته يدرك الفظائع التي حدثت حوله. تركت تلك الفترة من الحرب في بلجيكا أثرا عميقا في نفسه وجروحا في روحه طاردته لفترة طويلة. عندما ظهرت ظلال حرب الجزائر حوالي عام 1958، تذكر والدي مشاعره في الطفولة، خاصة تلك اللحظة المؤلمة حين ودّع أخاه الأكبر بيير، الذي غادر إلى فرنسا مع فرقته الكشفية على متن قطار ‘محمل برجال يرتدون ملابس رمادية’ (من كلمات أغنية ‘لا كولومب’).”

في عام 1963، بعد عام من الاستقلال، عاد جاك بريل إلى الجزائر حيث أقام حفلا غنائيا في زرالدة.

هذا الوعي السياسي لدى الفنان لم يتشكل فقط بسبب ما عاشه في حياته، بل بسبب قراءاته الكثيرة وتأثير صديقه جورج باسكييه، وهو ما تبينه محدثتنا: “لقد طور والدي وعيه السياسي على مر السنين، وخاصة تحت تأثير صديقه جورج باسكييه، المعروف باسم “جوجو”. كان باسكييه، وهو رجل يساري، مهتماً جداً بالسياسة. التقى به جاك خلال جولة في نوفمبر 1954 في الجزائر. كما أن والدي كان يقرأ كثيرًا، بما في ذلك الصحف.”

تقول فرانس: “خلال جولة والدي في نوفمبر 1954، شعر جاك بالملل قليلًا لأن الأجواء بين الفنانين لم تكن جيدة، حيث بدا الجميع منزعجين باستثناء رجل مرح ومفعم بروح الفكاهة انسجم معه بسرعة. كان ذلك الرجل جورج باسكييه.”

امتدت صداقة بريل مع باسكييه حتى وفاة الأخير، وقد كتب بريل أغنية وداع لرثائه بعنوان “جوجو”. وتضيف فرانس: “تأثر والدي بشدة بوفاة صديقه المقرب. بعد وفاة جوجو، أصبح والدي يرى أنه من غير المجدي، في رأيه، العودة إلى أوروبا بعد عبوره المحيط الأطلسي على متن مركب شراعي في ديسمبر 1974.”

من الأشخاص الذين أثّروا كذلك في حياة جاك بريل، زوجته ميش. عن طبيعة العلاقة التي جمعت بينهما، تقول لنا ابنتهما فرانس: “أحتاج إلى العديد من الكتب لشرح هذه العلاقة المميزة والمعقدة. بدأ الأمر في عام 1947 بصداقة وفرت أساسا متينا لبناء زواجهما.”

في 6 جانفي 1969، نجح صحفي شاب مبتدئ في جمع كل من جاك بريل، جورج براسنس وليو فيريه، والذي كان بدوره متعاطفا مع الثورة الجزائرية، في لقاء شهير جمع عمالقة الأغنية الفرنسية. عن هذا اللقاء تقول فرانس بريل: “كان والدي يتمتع بعلاقات صداقة عميقة مع جورج براسانس، لكن اتصاله مع ليو فيريه كان محدودًا للغاية. إذا كانت صورة الفنانين الثلاثة تحظى بشعبية كبيرة لدى الجمهور، فإن محتوى الأحاديث لم يكن مثيرًا للاهتمام، فقد كان الفنانون الثلاثة يشعرون بعدم الارتياح أثناء حديثهم. ”

فرانس بريل، ابنة الفنان البلجيكي جاك بريل. صورة: مؤسسة جاك بريل.

قبل آخر ألبوم له، انعزل جاك بريل في جزر ماركيساس بالمحيط الهادئ، وعانى منذ 1974 من سرطان الرئة، ليعود في 1977 إلى باريس لتسجيل آخر ألبوم له منحه اسم تلك الجزر، ليطلقه في 17 نوفمبر من ذلك العام، دون أدنى حملة ترويجية ودون إجراء أي حوار مع الصحافة، لكن الألبوم عرف نجاحا مميزا. عن سر هذا النجاح، تقول فرانس بريل: “قبل كل شيء، أعتقد أن الجمهور كان متحمسًا بشدة لأغانيه الجديدة بعد غياب طويل دام أكثر من 10 سنوات، لذلك استمتعوا بإعادة اكتشاف النصوص بعد هذه السنوات من الصمت.  الألبوم هو بالتأكيد ثمرة موهبة عظيمة، ولكنه أيضًا كان مفعمًا بعاطفة رجل يشعر بأن ‘رحيله’ قريب. موضوع الموت كان حاضرًا في أغاني والدي منذ عام 1959. ”

أما في إجابتها على سؤال “الشروق أونلاين” حول ما إذا ترك جاك بريل نصوص أغاني لم يؤدِها، قالت فرانس أن والدها سريعا ما كان يتخلى عن الأغاني التي لم يؤدِها. أما عمن تراه يمكن له أن يغنيها اليوم، فتجيب: “من المستحيل بالنسبة لي أن أتخيل أن هناك فنانا معينا يمكنه أداءها بشكل أفضل من غيره. كل فنان يعبّر ويغني بطريقته الخاصة وحسب حساسيته.”

* Olivier Todd, Jacques Brel, une vie. Paris : Robert Laffont, 1998.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!