-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الشام والعراق.. التاريخ والجغرافيا بين أمريكا وروسيا

صالح عوض
  • 2382
  • 0
الشام والعراق.. التاريخ والجغرافيا بين أمريكا وروسيا

من البصرة على الخليج إلى اللاذقية على البحر المتوسط تمتد الجغرافيا الملهِمة تحكي روايات التاريخ على جنبات تلالها وجبالها وفي عمق صحرائها وبين سهولها ومع مجرى أنهارها ووديانها.. فهنا معاركنا الحضارية التاريخية الفاصلة هنا القادسية وهنا اليرموك وعين جالوت وحطين.. هنا القدس عاصمة الروح مدينة السلام، وهنا بغداد مدينة العطاء، وهنا دمشق الفيحاء بياسمينها..

هنا خطوات الأنبياء والصالحين من أولياء الله.. هنا علامات الأئمة والعلماء والفقهاء هنا أبو حنيفة النعمان وجعفر الصادق وأحمد ابن حنبل وأبو حامد الغزالي وعبد القادر الجيلاني والشافعي والأوزاعي وجنيد البغدادي..وهنا ترعرع زرياب والموصلي والمتنبي وأبو علاء والبحتري وأبوتمام.. هنا كتب التاريخ حكاياته بدم ودمع ونار وذهب.. هنا المكتبات والعلوم والفنون وانعتاق الطاقات من كل قيد.. هنا تجلَّت حضارة الانسان فكان الحرف الأول والترجمة الأولى والنهضة الأولى.. والحياة المثالية بلا عنصرية والحياة المتكاملة بلا تفسيخ.

بلاد الشام والعراق هي سجلُّنا المُشرق وعبقريتنا الخاصة على مدار مئات السنين ومنها كان عروجنا المتكامل: إلى السماء حيث سدرة المنتهى ومن ثم إلى المجد والسيادة بمنهج الرحمة على العالمين.. فماذا تبقّى من هذا السجل؟ وهل انطوى إلى الأبد؟ أم أنه لا يزال يمتلك مبررات الحياة بعد إن أصبح مسرحا لطائرات الأمريكان والروس والفرنسيين والأوربيين وكل من كانت له بندقية يغريه الصيد، فيشحذها برصاصه ويهرول مقاتلا بين بساتين الشام أو بطحاء العراق؟

لقد أصبحت مرامي الأمريكان والغربيين والصهاينة من حربهم وإشعالهم للفتن في العراق وبلاد الشام معلومة لكل ذي بصر، فهجومهم هنا إنما يستهدف القلب من الأمة كما استهدفه السابقون من الفرنجة، فسرقة النفط ونهب الثروات وتكبيد المنطقة بخسائر فادحة تمنعها من التحرر والسيادة والنهضة، هو هدف الغربيين الأساس، وذلك يستدعي تمزيق المنطقة وتشتيتها ووضع جراثيم التقاتل بين مكوناتها، ولعل نتيجة فوضى التقاتل والتصارع الداخلي بين مكونات الشعب والأمة عِرقيا أو مذهبيا أصبحت جلية لكل ذي بصيرة، حيث لحقت الخسارة بالجميع ولم ينجُ منها أحد..

لكن الجديد على المشهد هو التدخّل الروسي بقوة السلاح، وقد أصبحت سوريا مرحلياً مسرحاً لعمليات الطائرات الروسية والبحرية الحربية الروسية.. هنا تفتح أسئلة عديدة وفي أكثر من اتجاه: ما هي الأهداف الاستراتيجية لدخول روسيا على خطّ مواجهة المجموعات المسلحة في سوريا؟ وما هو نوع التأثير وحجمه الذي سيلحق بمكونات المنطقة واتجاهاتها ووجهتها مستقبلا؟ أيّ احتمال يمكن أن يكون حول بلقنة المنطقة وجعلها مستنقع صراعات تؤدي إلى مزيد من تشظيها وغرقها في الفوضى وتسعير حالة التهجير لمواطنيها؟ هل ستعود الدولة السورية بشكلها القديم أم أن هناك إشكالاً جديدا محتملا للبلد؟ ما هو مصير الحملة الروسية ونتائجها على الصراع مع إسرائيل؟ وما هو موقف إسرائيل من تطورها؟ ثم هل يتطوّر التدخل الروسي إلى حرب إقليمية مع تركيا؟ وهل يتمدد التدخل الروسي إلى العراق في مواجهة المجموعات المسلحة؟ وهناك أسئلة أخرى تطرح عن طبيعة التدخل الروسي: ما هي ضمانات أن لا يكون الروس قد استدرجوا إلى مستنقع ينهي وجود الاتحاد الروسي، كما كانت حرب أفغانستان نهاية الاتحاد السوفيتي؟ ثم هل حدد الروس خيارات انحيازاتهم في منطقة في غاية الحساسية ملغمة بثنائيات تحتاج دقة في التعامل وخيارات شفافة بعناوين واضحة؟

هذه أسئلة كبيرة وعديدة وهي ملحّة بلا شك ومثيرة، ولا بدّ من إجابة متوازنة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الخريطة السياسية الدولية الحالية وتحرّكها على صعيد المركز والأطراف وما لحقها من اهتزازات لأسباب عديدة أهمها تصدعات الاقتصاد الرأسمالي، وتضعضع الاتحاد الأوربي، والارتباك في عجلة النهب الأمريكية بعد انتكاسات حصلت للعسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان..

هنا لا بد من تسجيل ملاحظات مركزة عن انهيار المنظومة العربية وغياب الموقف العربي غيابا مذهلا بعد أن تحطمت عدة دول عربية أساسية، وانغمست سواها في معارك إما داخلية أو إقليمية، الأمر الذي يعني غياب أي موانع أمام القوى الدولية للتدخّل وتشكيل المنطقة حسب المصالح الخاصة بها.

الدولة الروسية ليست جمعية خيرية تقدِّم مساعدة لإيقاف انهيار الدولة السورية.. كما أنها ليست دولة إيديولوجية تربطها علاقة تحالف استراتيجي وإيديولوجي مع الدولة السورية فتتحرك ببواعث العقيدة.. ثم إن الدولة الروسية ملتزمة بالقانون الدولي ولا يمكن أن تخرق إجماع القوى الغربية بشكل سافر على تدمير سوريا وبلاد الشام والعراق، ولا يغيب عن روسيا تحدّيات محلية وإقليمية لعل دولاً مثل تركيا والسعودية ستكون أشرسها.. هذا منطلق مفيد لمحاولة إعطاء إجابات على ما سبق من أسئلة.

لروسيا مصالح استراتيجية ..هذا صحيح، وتبدأ هذه المصالح من حماية غازها وهو سلاحها الاقتصادي الأمثل؛ فلقد كان التهديد القطري مدفوعا من قبل البنوك الأمريكية العملاقة بتمرير الغاز القطري من سوريا إلى أوروبا يعني توجيه ضربة نجلاء للاقتصاد الروسي، الأمر الذي سيسهم في تفكيك الاتحاد الروسي، كما تم تفكيك الاتحاد السوفيتي بعد أن فقدَ البترول قيمته بتخفيض حلفاء أمريكا أسعاره في الثمانينات إلى معدل مفزع، وروسيا تجد نفسها يوما بعد يوم واقعة في شباك المخطط الغربي مرة في جورجيا، وأخرى في أوكرانيا، ومرة شبكة الدرع الصاروخية، فكان لا بد من إحداث توازن قوة ونفوذ لمواجهة التمدد الغربي الأمريكي في أوروبا الشرقية والمحاصر لروسيا.. بالاضافة إلى أن قرب روسيا في القلب من المشرق العربي يمنحها فرصة تنامي نشاطها الاقتصادي والأمني مع دول المنطقة، وذلك يمنحها مبررات المناورة السياسية في المسائل الكبرى الاستراتيجية، وحضورا دوليا فقدته منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.. فلروسيا مصالح استراتيجية اقتصادية وسياسية وأمنية في موقفها من نصرة الدولة السورية..

مما لاشك فيه أن ظروف التدخل السوفيتي في أفغانستان لا تشبه التدخل الروسي في سوريا، وذلك لوجود عامل مهم وحاسم في المسألة، وهو أن التدخل الروسي اليوم مسنود بموقف إقليمي من دول وقوى شعبية في المنطقة، ثم إنه يأتي بعد أن اُنهكت قوة المجموعات المسلحة، وبعد أن فشلت الدول الغربية في تحقيق انتصار سريع بتدمير الدولة السورية..

تبقى الأسئلة المشرعة برسم إجابة الأيام القادمة: ماذا سيحصل على تركيب الدولة السورية بعد انكسار المجموعات المسلحة؟ وهل سيتواصل الفعل الروسي حتى ترتيب البيت العراقي وإنهاء التمزق السياسي؟ وما تأثير ذلك على القضية الفلسطينية؟.. إن عناصر المقاومة والوعي والتحدي تتنامى في الأمة وعلى رأسها الثورة المعجِزة في فلسطين.. مخاض صعب ومؤلم لكنها الإشارات بخروج العراق وبلاد الشام من الفتنة العمياء. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!