الشتاء في الجزائر يدخل على خط الأعراس
أصبح فصل الشتاء، في السنوات الأخيرة، موسما مفضلا لإقامة حفلات الزواج لدى عدد متزايد من الشباب، بعد أن كان الصيف هو الخيار التقليدي والأكثر شيوعا، هذا التحول لم يأت من فراغ، بل فرضته جملة من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي غيرت نظرة المجتمع إلى موسم الزواج.
انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، فيديوهات لعرسان شباب من بينهم صورة لأصغر عريس في الجزائر لسنة 2025، من ولاية البليدة، بينما استأجرت قاعات حفلات في عدة ولايات خلال فترة البرد وتساقط الثلوج، لإحياء أعراس لم يتأخر المعزومون عن الحضور وتلبية الدعوة، وهو ما نقلته فيديوهات وصور تم تداولها عبر “الفايسبوك”.
عرسان يبحثون عن التميز في المجتمع الرقمي
ويجمع بعض أقارب وعائلات عرسان تزوجوا في ديسمبر وبداية جانفي، على أن اختيارهم لإحياء حفلات الزفاف في فصل البرد جاء بسبب أن التكاليف المالية تكون أقل في هذه الفترة، ولأنهم يفضلون حفلات بسيطة، تجمع العائلة والأصدقاء بدل مظاهر البذخ، في حين إن بعض رواد منصات التواصل الاجتماعي، بحسب تعليقاتهم، يرون أن هذا التوجه يعكس وعيا متزايدا لدى الشباب بأهمية تبسيط الزواج، والتركيز على الاستقرار الأسري بدل المظاهر الشكلية.
بوسعادة: الأعراس خارج الموسم مؤشر على تحول عميق في المجتمع
وقال البعض إن حفلات الزفاف الشتوية خيار أنيق لعشاق التميز، خاصة مع وجود “الفايسبوك” و”الإنستغرام” و”اليوتيوب”، أين ينشرون تميزهم، موضحين أن الشتاء يغير ملامح حفلات الأعراس.
زواج الشتاء لمواجهة أسعار الصيف
وفي السياق، أكد الدكتور عبد الحليم بوشكيوة، أستاذ التعليم العالي بجامعة جيجل، عضو المجلس الوطني للأسرة والمرأة، أن عوامل عدة لعبت دورها في جعل بعض الشباب الجزائري يفضل الزواج في فصل الشتاء، خاصة أن فصل الصيف يعرف ارتفاع مذهل في درجات الحرارة مقارنة بسنوات ماضية، إذ يرى أن أسعار قاعات الحفلات تتراجع بنسبة 30 بالمائة تقريبا في الشتاء، وهذا ما يساعد بعض المقبلين على الزواج، علاوة بحسبه، عن تفادي اكتظاظ هذه القاعات في الصيف، بما يضمن اختيار موعد العرس المناسب بكل أريحية.
وقال بوشكيوة، إن الطابع الرومنسي المتميز والدفء الخاص الذي توفره أجواء الشتاء، بعيدا عن حرارة الصيف المرتفعة، وكذا التقليل من الحضور والاكتفاء بالعائلة والأصدقاء المقربين، عوامل يراها بعض المقبلين على الزواج مناسبة وإيجابية لإحياء حفلات أعراسهم، بينما يجد البعض بحسب ذات المتحدث، أنفسهم مضطرين لظروف خاصة للزواج وعدم الانتظار إلى غاية الصيف.
بوشكيوة: أفراح الشتاء تغير العادات وتكسر النمط السائد
ومن جهتها، أكدت شائعة جعفري، رئيسة المرصد الجزائري للمرأة، أن العامل الاقتصادي يعد المحرك الأساسي لتفضيل إحياء أعراس في فصل الشتاء، فخلاله تنخفض تكاليف قاعات الأفراح بشكل ملحوظ، نظرا لقلة الطلب مقارنة بموسم الصيف الذي يشهد ازدحاما كبيرا، كما تقل أسعار خدمات التصوير، الزينة، وتأجير مستلزمات الأعراس، ما يخفف العبء المالي عن العرسان، إضافة إلى ذلك، ترى أن الزواج شتاء يتيح فرصة أفضل للادخار أو توجيه جزء من الميزانية نحو متطلبات أساسية للحياة الزوجية، مثل تأثيث المنزل أو التخطيط للمستقبل، بدل إنفاق مبالغ كبيرة على حفل الزفاف وحده.
تغير في نظام الأسرة وشباب يتمردون على التقاليد
وعلى الصعيد الاجتماعي، يؤكد رشيد سعادة، عضو في جامع الجزائر ومختص في الأنتروبولوجيا الاجتماعية، أن المجتمع بدأ يتخلى تدريجيا عن الفكرة السائدة التي تربط الزواج بالصيف فقط، فالتغير في نمط الحياة وسرعة الإيقاع اليومي جعلا من المرونة في اختيار موعد الزواج أمرا مقبولا اجتماعيا، كما يفضل البعض، بحسبه، فصل الشتاء لما يتميز به من أجواء أكثر هدوءا وخصوصية، بعيدا عن الزحام وكثرة المناسبات التي قد تؤثر على حضور المدعوين في الصيف، قائلا إن حفلات الأعراس في الشتاء غالبا ما تكون أكثر تنظيما وأقل ضغطا.
وأوضح أن الثقافة هي ذلك الكل المعقد المركب الذي يتناول عادات وقيم وأخلاقيات الأمة ويحدد مسارها الاجتماعي فالحياة اليومية تخضع لبعض قوانين الأنتروبولوجيا والقوانين الاجتماعية، بحيث كان يعرف أن الريف مربوط بالعامل الإيكولوجي، أي إنه مربوط في الشتاء بالزراعة، ومربوط بالاحتفالات والعادات الخاصة، والذي طرأ حسب الدكتور سعادة، هو حدوث طفرة في التغير أساءت للثقافة وبعض العادات، فأصبح الجزائري لا يميز بين الفصول، ويغالي في بعض القضايا.
ويرى محدثنا، أن التنظيم في الأسرة الجزائرية تراجع، وحدث خلل بين الحفاظ على النظام القديم وانتحال النظام الجديد، ففشلت عملية التقمص، إلى درجة أن بعض “أفراد المجتمع أصبحوا بذهنيات القرون الوسطى في لباس عصري”.
التكنولوجيا غيرت كل شيء
وقال الدكتور بوسعادة، إن بعض الشباب لم تعد تهمهم العادات والتقاليد، ما دام الزواج حلال، فالمصلحة اليوم تقتضي العمل ما يرضي صاحبه، دون الاهتمام برأي الآخرين، وخاصة بعد تعلقه بالعالم الرقمي واطلاع هذه الفئة على حياة الآخرين خارج البقعة الجغرافية لبلاده.
كما أن التغير السريع من ناحية التكنولوجية والاقتصادية، بحسب المتحدث، غير عمليات التنظيم والأطر الحياتية للأسرة الجزائرية، التي تشهد خللا في تماسكها، ودعا إلى تشجيع بحوث العلوم الاجتماعية عن الاهتمام المبالغ بالتكنولوجيا، قائلا إن التكنولوجيا وراءها رجل، والرجل وراءه فكرة، لكن دراسة المجتمع والسلوكيات المتغيرة حسب آخر التطورات يمكن أن يساهم ذلك في معرفة كيفية مجابهة الطفرات في الوسط الاجتماعي والاستعداد لها من خلال النظام التربوي والإرشادي.
وفي الأخير يمكن القول، إن الزواج في فصل الشتاء، وفي ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، لم يعد مجرد خيار موسمي، بل أصبح اتجاها اجتماعيا يعكس تغير القيم وتكيف الشباب مع الواقع المعيشي، إلا أنه بين الاعتبارات المادية والاجتماعية، يظل الهدف الأسمى هو بناء أسرة مستقرة، بغض النظر عن توقيت الزواج أو فصله، بحيث أشار الدكتور رشيد بوسعادة، إلى أن العزوف عن الزواج وتسجيل 11 مليون عانس في الجزائر يظل المشكل الأكبر الذي يجب البحث عن حلول له.