الشيخ الزّنداني ومشروعه الدّعوي الفريد
ما أكثر أدعياء المشاريع الدعوية والفكرية والعلمية والتربوية والأدبية والتاريخية في أوطاننا العربية عبر التاريخ، وفي جامعاتنا على وجه الخصوص؛ إذ يظن بعضهم أنه من السهل كسب شرف هذا الإدّعاء المزعوم من بعد كتابة عدة صفحات أو تقديم محاضرات تستعمل فيها مصطلحات ومفاهيم تُستلّ من كتابات القدامى أو تُستلف من فكر أهل الغرب، ولكن سرعان ما تتبخر محاولاتهم وتذهب أدراج الرياح، ولا يستفيق أصحابها إلا على أوهام وأضغاث أحلام لقصورها أو لارتكازها على شعارات غامضة وأفكار ملتوية. وأغلب المشاريع المعلنة تفشل وهي في مهدها أو في منتصف طريقها، وإن تقدمت فلا تؤتي ثمارها سوى بشكل جزئي مجذوذ.
لا يُكتب الصمود والخلود لأي مشروع نهضوي أو تجديدي إلا إذا اكتسبت أدبياته الصفة الإجرائية التي تترجمه إلى برنامج عملي يلامس الواقع. ونجد في مشروع الفقيد الشيخ عبد المجيد عزيز الزنداني اليمني (1942ـ 2024م) مثالا نيرا لمشروع فريد استقطب الأنظار، وشغل الناس.
بعد عمر استوفى اثنتين وثمانين سنة، توقف نبض قلب الشيخ عبد المجيد الزنداني، وسلّم أمانة الروح إلى بارئها في اسطنبول بعيدا عن وطنه إثر معاناة مع المرض. ورحل عن دنيا الناس في الثاني والعشرين أفريل الماضي بعد أن عبّد شطرا طويلا من مشروعه الذي حمل راية عالية، كتب على رقيمها عنوان: “الإعجاز العلمي في القرآن والسنة”. وإن لم يتسنَّ للكثيرين النظر في الأهداف المسطرة لهذا المشروع، فإننا نقرأ فيه وسيلة للدعوة إلى الإيمان في حضن الإسلام والترويج له بين الناكرين والملحدين في كل الملل والنِّحل باعتبار أن الإيمان هو الجسر الرابط بين الخالق والمخلوق.
استطاع الشيخ عبد المجيد الزنداني أن يتقدم بمشروعه الدعوي خطوات عملاقة، وتمكن من البروز كأشهر عالم في مجال الإعجاز العلمي المرتبط بالقرآن والسنة، وأن ينال تقدير أهل العلم التجريبي بشكل أخص في الغرب. وتحقق له مراده بفضل مجموعة من المزايا نذكر منها:
أولا: وُفّق في اختيار موضوع مشروعه الذي يدور حول الإيمان. والإيمانُ هو موضوع ذو صبغة إنسانية شاملة، لأنه يشكل قاعدة لحالة التوازن المثلى التي يهفو إليها قلب ووجدان كل من يعاني من فراغ روحي رهيب لاسيما في المجتمعات المادية الجافة التي تقف على حواف الإنكار والإلحاد. ويرمى إلى تحرير الإنسان المجرد من مُربكات الحيرة والقلق التي يتخبط فيها، وتزويده بنفحات السكينة والاطمئنان.
ثانيا: لم يصرف وقتا طويلا في التنظير لمشروعه، ولم يُبقه حبرا على ورق مدفونا بين الأوراق، لأن ميدانه ومادته جاهزان. وإنما جعل منه برنامجا عمليا مرتبطا بالعلم، وقرن فيه بين ما جاء وحيا في الرسالة المحمدية الخالدة بشقيها القرآن والسنة وما اكتشفته مخابر العلوم التجريبية بشكل أخص من حقائق ثابتة وقوانين سائدة في الطبيعة كما في علوم البيولوجيا والكيمياء والطب والفيزياء والجيولوجيا وعلم الفلك… وبفضل هذه المزية الامتيازية، لم يتّسع مركب مشروعه النموذجي للغوغائيين والسفلة والرعاع والمثبِّطين.
ثالثا: ربط مشروعه بقضايا أمته التي لم ينعزل عنها، وأبقى صلته بها قائمة في كل الظروف والأحوال، وفي ساعات العُسر واليسر، وفي الشدة والرخاء، وفي أوقات الأمن وساعات الضيق.
رابعا: تنبّه إلى تعديل مسار حياته الشخصي مبكرا، وتنظيمه وفق ما يتماشى مع أهداف مشروعه، فلما ذهب لدراسة علم الصيدلة في إحدى الجامعات المصرية رأى ضرورة الإلمام بالعلم الشرعي حتى يستطيع تحقيق المزاوجة بين العلوم. وما كان عليه إلا مغادرة كلية الصيدلة بعد عامين والالتحاق بجامع الأزهر الشريف.
خامسا: ابتعد عن الصدام المعرقل الذي يفني الطاقات ويضيع الجهود في التدافع والتنافر، ويصرفها في السجالات والجدالات التي لا تجلب إلا الانحراف عن جادة خط السير، ولا تنتهي سوى بالانكسارات والخيبات والنكسات. وبفضل ذكائه، جعل الفعل السياسي في محيطه واحدا من اهتماماته التي تقاطع معها احتكاكا وممارسة وتأثيرا مستعملا أساليب المداورة والمسايرة والتغاضي والمهادنة كلّما لزم الأمر.
سادسا: فتح جامعة فريدة دعاها “جامعة الإيمان”، ووجّه أغلب النشاطات العلمية والتثقيفية التي تجري في جوفها صوب خدمة الفكرة الرئيسة المحمولة في اسمها. وجعل هذه الجامعة مركزا عالميا للباحثين وأساطين العلوم التجريبية والإنسانية وللحوارات والنقاشات والمناظرات حتى أصبحت محجًّا مقصودا من مختلف الأجناس والعروق.
سابعا: امتلك شخصية مصقولة على الهدي القرآني والتوجيه المحمدي وعلى مواصفات رجل الدعوة المتمكن والمربي الأكفأ. ومن ينظر في صورة وجهه اللامع واللماح لن يقرأ سوى أمارات الطُّهر والحب والنقاء واللطف والظرافة والتواضع والأدب والطلاقة والتلقائية والعزّة والهدوء والرزانة والإقدام والتضحية والصبر والمقاومة والعزم والصمود والعنفوان والرهبة والسكينة والفداء والذكاء والدهاء وسرعة البديهة… وبفضل هذه الشيم استطاع أن يضمّ إلى مشروعه أنصارا ومؤيدين كثيرين.
قد يكون طلبة الشيخ عبد المجيد الزنداني، رحمه الله، الذين أثنوا الركب في حلق مجالسه التعليمية هم أولى وأحق الناس بالحديث عنه. وهذا واحدٌ من طلبته يمعن القول في ذكر بعض خصال شيخه، فيقول: (مكثت خمس سنين في جامعة الإيمان، فلمست من شيخها الجليل المصلح العابد عبد المجيد بن عزيز الزنداني خصالا كثيرة، وأخصّ بالذكر منها عشر خصال كاملة، وهي مع بعض التصرف الطفيف:
1ـ عفة اللسان، فلم أر لسانه يقع يوما في أقرانه ولا المخالفين له مهما اختلف المشرب. بل سمع مرة أن بعض المشايخ يقع في شخصيات بعض الجماعات، فقام بعد صلاة العصر وألقى كلمة ذكر فيها أن جامعته لا تقبل من يقدح في هيئات وشخصيات الجماعات الأخرى، فمن أراد البقاء معنا فمرحبا به، وإلا فالمعذرة منه، ولن يمكث معنا.
2ـ حرصه على تتبّع الشرع ما وجد إلى ذلك سبيلا، وحرصه على جمع أهل العلم في كل حادثة حتى يتبنى حكم الله عز وجل فيها، وتعظيمه الكبير لشرع الله عز وجل، بل واعتزازه به.
لم يصرف الزنداني وقتا طويلا في التنظير لمشروعه، ولم يُبقه حبرا على ورق مدفونا بين الأوراق، لأن ميدانه ومادته جاهزان. وإنما جعل منه برنامجا عمليا مرتبطا بالعلم، وقرن فيه بين ما جاء وحيا في الرسالة المحمدية الخالدة بشقيها القرآن والسنة وما اكتشفته مخابر العلوم التجريبية بشكل أخص من حقائق ثابتة وقوانين سائدة في الطبيعة كما في علوم البيولوجيا والكيمياء والطب والفيزياء والجيولوجيا وعلم الفلك… وبفضل هذه المزية الامتيازية، لم يتّسع مركب مشروعه النموذجي للغوغائيين والمثبِّطين.
3ـ كان ذا عبادة وتقوى وخشوع في صلاته حتى أنك تجده يبكي في صلاته السرية إذا صلّيت بجانبه، ويطيل القيام والركوع والسجود بين يدي ربه. بل حدثني أخ عزيز أنه مكث مدة يصلي بالشيخ إماما، فقال: لا تخلو صلاة جهرية أو سرية إلا وسمعته باكيا في صلاته.
4ـ همّه الصادق في قضايا الأمة وخصوصا قضية القدس التي كان يقود فيها مسيرات ويمشي معنا راجلا على قدميه بين طلابه.
5ـ رجوعه إلى الحق إذا ظهر له ولو من أصغر طلابه. بل واعتذاره فيما إذا بدر منه شيء من القسوة في العتاب لطالب من طلابه.
6ـ كرمه العميم وسخاء نفسه وجوده الجمّ لكل من نزل بساحته وعطفه على طلابه كعطف الأب على أبنائه وقضاء الحوائج لمن نزلت به حاجة أو حلّ به ضيق.
7ـ تعلقه بالعلم ونشره، وحبّه للعلماء وإكرامه لهم والحرص على تخريج رجال علماء يحملون همَّ أمتهم ويعتزون بدينهم فلا يبيعونه بعرض من الدنيا قليل.
8ـ إنصاف من وفد عليه في شكوى ولو من أبنائه ومن المقرّبين له.
9- دعوته إلى توحيد كلمة الأمة وجمع قلوب الجماعات الإسلامية ما أمكنه ذلك.
10ـ كانت له علاقة خاصة بالله وكرامات مع الدعاء، وهناك حوادث ظهرت فيها استجابة دعائه يعرفها من كان قريبا منه وعارفا به، واهتمامه بقضايا الإيمان من خلال إثبات الإعجاز العلمي وهو من أفراد هذا العصر في ذلك…).
أريد أن أختم بهذا الموقف الطريف للشيخ الزنداني الذي رواه أحد المقربين منه، إذ حكى: (في مطلع التسعينيات، عُقد مؤتمر في اليمن حول الأسرة المسلمة حضره الكثير من العلماء المسلمين، إضافةً إلى ضيوف مختصين في علم الاجتماع وعلم نفس الطفل من غير المسلمين. وبعد انتهاء المؤتمر، طلبت إحدى المشاركات من غير المسلمين لقاء الشيخ الزنداني، فوافق على ذلك، فلما كان اللقاء جاءت المرأة بلباسها العادي، مما أثار حفيظة من كان حول الشيخ، فأشار إليهم أن اتركوها ولا تزعجوها. فبدأت المرأة تناقش الشيخ في العديد من المسائل متَّهمةً الإسلام باستبداده ضد المرأة وهضم حقوقها، وبأنها لا تعدو أن تكون جزءاً من متاع الرجل وغيرها من الاتهامات. وبدأ الشيخ، رحمه الله، يفنّد لها تلك الشبهات واحدةً تلو الأخرى، وبيّن لها حقيقة أنّ المرأة في الإسلام تحظى بمكانة عظيمة مرموقة، مدللاً على ذلك بالعديد من المواقف المشرقة من حياة الرسول، صلى الله عليه وسلم. وبدأ يشرح لها تعاليم الإسلام المتعلقة بالمرأة وما تتميز به عن قريناتها من الأديان الأخرى، فتعجَّبت المرأة من اطلاع الشيخ الواسع ومعرفته بتعاليم الأديان الأخرى الخاصة بالمرأة. ثم بدأ يشرح لها الإسلام بشكل مبسَّط وسلس، وبعد نقاش طويل قالت له: يا شيخ أنا امرأة لا أستطيع الاستغناء عن الرقص؛ إذ أرقص في اليوم ساعات مطولة، فهل يتوافق هذا مع دينكم؟ فردّ عليها الشيخ بلهجة حانية: حاولي يا ابنتي أن تقلّلي من ذلك ما استطعت، وأسأل الله أن يشرح صدرك ويهدي قلبك.
بعد سنوات، زار وفدٌ من المهتديات الأمريكيات اليمن، وكان على رأسهن امرأة منقّبة كانت السبب في إسلامهن جميعاً، فطلبن لقاء الشيخ الزنداني، فلما دخلن عليه توجّهت المنقّبة إليه سائلةً: هل عرفتني يا شيخ؟. فقال لها: أعذريني، يا ابنتي، فإنّ ذاكرتي خانتني، فقالت له: أنا فلانة التي ناقشتك قبل سنوات عن شبهات المرأة في الإسلام. فتهلّلت أسارير الشيخ، وقال لها مبتسماً: ما شاء الله، هنيئاً لك يا ابنتي، ولكن أخبريني كم ساعةً ترقصين الآن في اليوم؟ فقالت له: وهل ترك لنا الإسلام وقتا لنرقص!).
مات العالم العامل الشيخ عبد المجيد الزنداني في غربته بعيدا عن موطنه اليمن الذي لم يعُد سعيدا وفي زمن لم يتسنَّ له فيه ترديد المقولة الشهيرة: (لا بدَّ من صنعاء وإن طال الزمن).