الرأي

الشيخ الشريف الهاملي بمناسبة الذكرى 125 لوفاته

بقلم: د. عبد المنعم قاسمي الحسني
  • 472
  • 0

بعد الصدمة الحضارية وسقوط الدولة الجزائرية بدخول الاحتلال الفرنسي سنة 1830، عرفت الجزائر حركة جهادية واسعة شملت معظم أرجاء الوطن، استمرت أكثر من أربعة عقود، وبعد توقف الثورات الشعبية المسلحة انتقل كثير من العلماء والشيوخ إلى أسلوبٍ آخر من أساليب الجهاد، وهو المقاومة الثقافية، لمواجهة الغزو الحضاري الثقافي، ومحاولة الاحتلال محو الشخصية العربية الإسلامية، وضرب مقومات الشعب الجزائري. وقد اشتركت في ذلك جهود العلماء بكل مشاربهم سواء خلال القرن التاسع عشر أو خلال القرن العشرين حين ظهرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وواصلت الرسالة وساهمت في المقاومة الثقافية للاستعمار وعظا وإرشادا وتدريسا وإصلاحا في المجتمع.

ومن أبرز وجوه هذه المقاومة الشيخ محمد بن أبي القاسم الشريف الهاملي (1824ـ 1897م)، الذي نشأ في قرية الهامل ببوسعادة وأخذ مبادئ العلم بها، لينتقل بعد ذلك إلى زاوية سيدي علي الطيار بالقرب من برج بوعريريج، ومنها إلى زاوية أحمد بن أبي داود بتاسلنت بآقبو، وهناك أجيز من شيوخه وقفل راجعا إلى بلدته بعد نهاية مقاومة الأمير عبد القادر، حيث أسس مدرسة للعلوم الشرعية تولى التدريس بها مدة تسع سنوات، لينتقل بعدها إلى زاوية الشيخ المختار بن عبد الرحمن بأولاد جلال، لأخذ الطريقة الرحمانية عنه وسلك على يديه وأقام هناك مدة خمس سنوات، ملازما لشيخه خادما له.

وبعد وفاة شيخه الجلالي عاد إلى بلدته الهامل، وأسس بها مشروعه الحضاري والثقافي “زاوية الهامل”، فبنى مسجدا وقاعات للدروس، وإقامة للطلبة، وشرع في تدريس الفقه والتفسير والحديث، وبقية العلوم الشرعية مع تلقين أوراد الطريقة الرحمانية التي كانت من أشهر الطرق الصوفية بالجزائر في تلك الفترة.

وسرعان ما عرفت زاويته شهرة واسعة، وأصبح عدد طلبتها يضاهي عدد طلبة جامع الزيتونة والأزهر الشريف، كما أصبحت من أهم مراكز الطريقة الرحمانية، وأدت أدوارا أساسية في المجتمع الجزائري، روحية وعلمية وثقافية واجتماعية واقتصادية، يرجع ذلك في تصورنا إلى شخصية الشيخ محمد بن أبي القاسم، وإلى الصفات التي اتسمت بها هذه الشخصية، من صدق وإخلاص وعلم وعمل وذكاء وبعد نظر، فالمتفحص في سيرة الرجل يجد أنه اتبع إستراتيجية محكمة في مواجهة خطط الاحتلال الفرنسي الرامية إلى القضاء على ثقافة ومكونات شخصية المجتمع الجزائري، فعمل الشيخ جاهدا على ترسيخ القيم الأصيلة للمجتمع، وبعث روح الجهاد والمقاومة، والإبقاء على جذوة الأمل قائمة.

سطر جملة من الأهداف وضعها نصب عينيه لخدمة الدين والوطن والأمة من: تعليم العلم، نشر الطريق الصوفي، مساعدة أفراد المجتمع، إقامة علاقات متينة مع أبرز شيوخ الطريق، توحيد الصفوف ولم الشمل… وهي الإستراتيجية التي انتبهت إليها المؤرخة الأمريكية كلنسي سميث وأثنت عليها: “إنّ إستراتيجية الشيخ محمد بن أبي القاسم في المقاومة والبقاء… لم تكن قطيعة كاملة مع الماضي، إنما طريقة تغيير سياسي نتج عن تقييم دقيق وواقعي لآفاق النشاط السياسي والاجتماعي، مبنية على قراءة أسباب فشل الخطط والمناهج التي سبقته، ففي حرب الهوية، مسلحة كانت أم لا، كونت المقاومة الثقافية دفاعا أقوى من جميع الثورات”.

ويظهر من خلال تقارير سلطات الاحتلال الفرنسي التي كانت تراقب حركاته وسكناته، أنه نجح في مجمل الأهداف التي وضعها، فأصبحت زاويتُه من أخطر مراكز المقاومة الثقافية، تجمع بين جدرانها، أبرز رجالات العلم من الشيخ محمد المكي بن عزوز، الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي، الشيخ محمد بن الحاج محمد… وضمَّت إلى أتباعها ومريديها أبناءَ الأسر الثورية: أسرة الأمير عبد القادر، أسرة المقراني، أسرة بوعزيز الماضوي… كما كانت الزاوية ملتقى للعديد من الأفكار التحررية الاستقلالية، ومنها نهل الشيخ محمد المكي بن عزوز مبادئ الوطنية التي بثها في تلامذته بتونس، ومنها أخذت السيدة زينب قوتها وإرادتها في مواجهة سلطات الاحتلال، وفيها تلقى أبناء الأسرة القاسمية مبادئهم الأولى في النضال الذي نتجت عنه الثورة التحريرية المظفرة، إذ كانت الزاوية منطلقا لأول خلية لجيش التحرير شتاء سنة 1955.

هي الإستراتيجية التي انتبهت إليها المؤرخة الأمريكية كلنسي سميث وأثنت عليها: “إنّ إستراتيجية الشيخ محمد بن أبي القاسم في المقاومة والبقاء… لم تكن قطيعة كاملة مع الماضي، إنما طريقة تغيير سياسي نتج عن تقييم دقيق وواقعي لآفاق النشاط السياسي والاجتماعي، مبنية على قراءة أسباب فشل الخطط والمناهج التي سبقته، ففي حرب الهوية، مسلحة كانت أم لا، كونت المقاومة الثقافية دفاعا أقوى من جميع الثورات”.

أمضى مترجمنا أكثر من 35 سنة في خدمة زاويته والسهر على شئونها، حتى أضحت مركزا علميا شهيرا يقصده العلماءُ والطلبة على حد سواء من مختلف مناطق القطر، وأيضا من مناطق كثيرة من الدول المجاورة، كما ساهم في تأسيس أكثر من ثلاثين زاوية بمناطق الهضاب العليا أدت أدوارا هامة في المقاومة، وتخرّج منها كبار رجال الحركة الوطنية وبعد ذلك الثورة التحريرية المظفرة، منها زاوية أبيض القول، وزاوية القصيعات، وزاوية السلامي… وبفضل مكانة الشيخ ومستواه العلمي وانتمائه إلى أهل البيت، أعطى بُعدا آخرا للطريقة الرحمانية، وامتد بواسطته تأثيرها إلى أبعد المناطق الممكنة، إذ جاء في أحد التقارير السرية للضباط الفرنسيين: “… وشيئا فشيئا بدأ مقدِّموه بالتوغل في بلاد القبائل، وحتى إلى البلاد التونسية، وذاع اسم الشيخ محمد بن أبي القاسم، أكثر فأكثر”.

شهد لهذه الشخصية العلمية الروحية كثيرٌ من الباحثين والمفكرين بالعلم والصلاح وخدمة الدين والأمة في أحلك الظروف وأصعب الأوقات، إذ انحسرت حركة الجهاد، وسيطر الاحتلال الغاشم على جميع مناحي الحياة بالجزائر، الاقتصادية، والثقافية والعلمية… وكادت الجزائر أن تذوب في الآخر، وتتخلى عن مقوماتها الحضارية والثقافية، ولولا أن قيَّض لها الله ثلة من العلماء والأولياء على شاكلة الشيخ محمد بن أبي القاسم، وعبد القادر المجاوي، عبد الرحمن الديسي، عبد الحليم بن سماية… الذين بذلوا قصارى جهودهم في سبيل الرفع من معنويات الأمة وعدم الرضوخ لسياسة الأمر الواقع التي حاول الاحتلالُ فرضها.

إن هؤلاء العلماء الأولياء الصلحاء التزموا بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف الذي تلقوه عن أسلافهم وواصلوا مسيرة الآباء والأجداد في العمل بأوامره والابتعاد عن نواهيه، وأقاموا شريعة الله بما يُرضي الله ويخدم أمتهم ووطنهم، وتمسكوا بقيمه النبيلة ومبادئه السامية، والدفاع عن حياضه، خصوصا أوقات الشدائد والمحن، لذا احتلوا هذه المكانة السامقة في قلوب أبناء وطنهم، والتف حولهم الناس، وصاروا هم القادة والسادة، وأصبحت لهم الكلمة العليا في مجتمعاتهم، ولعل أبرز دليل وأوضح صورة هو شخصية الأمير عبد القادر رحمه الله.

إننا إذ نحيي ذكراهم نسعى إلى التعريف بجهودهم، والاستفادة من تجاربهم، وإحياء أمجادهم، وغرس بذرة الاحترام في قلوب الأجيال الصاعدة، مما يساعد على الحفاظ على الهوية الدينية والشخصية الوطنية. إننا باستعادتنا لسيرهم وبطولاتهم ومفاخرهم، نخدم الدين والوطن، التاريخ والثقافة، نحاول أن نستفيد من أفكارهم وآرائهم، من أعمالهم وتجاربهم، وأن نأخذ الدروس والعبر.. مما يزيدنا افتخارا بتاريخنا المجيد واعتزازا بماضينا التليد.

علينا أن ننظر إلى هذا التاريخ نظرة موضوعية مجردة، نظرة تسعى إلى معرفة الحقائق كاملة، ووضعها أمام الأجيال الصاعدة لتقرأها على مهل دون نظرة استخفاف أو استصغار أو حط من قيمة هؤلاء الرجال، كما نلاحظ في كتابات بعض مثقفينا المعاصرين للأسف الشديد.

مقالات ذات صلة