الشيخ محمد معطى الله
من فضل الله – الكريم المنان – على الجزائريين أن أتى خيرتهم رشدهم ووفقهم إلى تأسيس أهدى جمعية تهدي إلى الرشد وإلى صراط مستقيم، فكانت كغيث أصاب أرضا بورا، فاهتزت، وربت، وأنبتت ما يبهج النفوس ويسر العقول والعيون رغم كثرة الخائنين الذين خانوا الله ورسوله والمؤمنين وهم يعلمون، فهلكوا عن بيّنة، فما بكت عليهم السماء والأرض، ويكفيهم خزيا أن غضب الله عليهم، ورضيت عنهم فرنسا. لقد توزع هذا “النبات” المبارك على طول الجزائر وعرضها، فكان خيرا وبركة على البلاد والعباد جعل العدو – فرنسا – يعضّ على “الجمعية” الأنامل من الغيظ، ويسجل في تقرير أمني – أعدته مصالحه في سنة 1950 تحت عنوان “الجزائر في نصف قرن” – بأن أخطر هيأة على وجود فرنسا في الجزائر هي “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، كما أكد هذه الحقيقة جاك كاري – أحد ضباط “الأمن”- في محاضرة ألقاها في باريس على مجموعة من الضباط الفرنسيين المتوجهين إلى الجزائر في أيام الثورة المباركة للعمل في مجال “المصالح الخاصة”، وهو نفس ما أشار إليه الكولونيل يارلانج الذي سُئل عن سبب فشل فرنسا في الجزائر، بعدم انخداع الشعب الجزائري لدعايتها المضللة لفصله عن طليعته المجاهدة، حيث قال ما معناه إن سبب ذلك يعود إلى العمل الكُبّار الذي قام به العلماء في تحرير الجزائريين عقليا ونفسيا. من المجاهدين الذين هيأتهم جمعية العلماء وأعدّتهم المخطط الفرنسي الخبيث الذي استهدف أعز عزيز للجزائريين وهو هويتهم الإسلامية، من هؤلاء المجاهدين العالميين الشيخ محمد معطى الله، الذي لم يُخيّب رجاء إمامه في قوله “يانشء أنت رجاؤنا”، فكان سهما رابحا في كنانة جمعية العلماء أينما توجهه يأت بخير…
أهلّ الطفل محمد معطى الله في أحلك فترة في تاريخ الجزائر وأشقاها على الجزائريين، وهي فترة الاحتلال الفرنسي، الذي قال عنه فيلسوفهم سارتر ما معناه “لا يمكن لمن نشأ تحت ظلال فرنسا – من الجزائريين – إلا أن يكون شقيا”.. وكان ذلك في أحد أيام 1920، في قرية المعاطلة في ولاية تلمسان… وبعد بضع سنوات حصنه والده -“سي الميلود” – بالحصن الحصين، وهو القرآن المبين، فحفظه وهو في العاشرة مما دلّ على نبوغ مبكر، وعلى استعداد طيب، ونفس طلعة..
بلغ الشاب محمد الثامنة عشرة فآنست عائلته فيه رشدا، وتوسّمت فيه خيرا فأذنت له بالتّوجّه تلقاء جامع القرويين، بمدينة فاس بالمغرب الأقصى، فحط رحاله فيه في أحد أيام 1938، وبقي هناك أكثر من عقد من الزمن، حيث تخرج في القرويين حاملا شهادة العالِمية (بكسر اللام) وذلك في عام 1951. وقد احتفل به في ناحيته.
لما رجع من المغرب الأقصى اتصلت به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين واقترحت عليه أن يلتحق بهيأة التدريس في معهد الإمام ابن باديس بمدينة قسنطينة فلبّى النداء، وبذل جهدا كبيرا، واستفاد منه الطلبة كثيرا. عاد إلى مدينة تلمسان، وكان من أساتذة مدرسة “دار الحديث”، إحدى مفاخر الإمام الإبراهيمي وأهل تلمسان .. التي من تلاميذها الشهيدان لطفي والرائد فراج – رحمهما الله –
كان أساتذة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وشيوخُها من أول من لبّى نداء الجهاد في 1954، خاصة بعد بيان الإبراهيمي في أوائل نوفمبر 1954، الذي أصدره في القاهرة، ودعا فيه الشعبَ الجزائري إلى أن يساند أبناءه الذين نفروا للجهاد، ومن أشهر ما يرويه التلمسانيون توكّؤ الشيخ السعيد الزموشي في إحدى خطبه بمسجد سيدي السنوسي على “السيف” بدلا من العصى، قائلا “إن وقت العصى قد مضى”.
ولم يلبث أن انتقل إلى مدينة ندرومة، القريبة من تلمسان، ليشرف على الحركة الإصلاحية فيها، وليتولى إدارة مدرسة “عبد المؤمن بن علي” بعدما التحق مديرها – عبد الوهاب ابن منصور– بالمغرب، حيث عين لاحقا في منصب “المؤرخ الرسمي” للمملكة المغربية..
كان أساتذة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وشيوخها من أول من لبّى نداء الجهاد في 1954، خاصة بعد بيان الإبراهيمي في أوائل نوفمبر 1954، الذي أصدره في القاهرة، ودعا فيه الشعب الجزائري إلى أن يساند أبناءه الذين نفروا للجهاد، ومن أشهر ما يرويه التلمسانيون توكّؤ الشيخ السعيد الزموشي في إحدى خطبه بمسجد سيدي السنوسي على “السيف” بدلا من العصى، قائلا “إن وقت العصى قد مضى”.
كان الشيخ محمد معطى الله يسير المدرسة، ويراقب الوضع، فينبه الشعب إلى أضاليل الدعاية الفرنسية، ويحرضه على احتضان المجاهدين ومدهم بما هم في حاجة إليه من مال ومُؤن ليتقوا على الجهاد والاستمرار فيه..
وما كان هذا النشاط ليخفى على عيون فرنسا وعملائها، فقبض على الشيخ محمد معطى الله، وزُجّ به في غياهب السجون الرهيبة في كل من آفلو، وبُوسوي، وأركول.. فحوّل هو وإخوانه من أعضاء الجمعية المسجونون تلك السجون إلى قاعات للتدريس والإرشاد…
أطلق سراحه من السجن في أواخر سنة 1957، فكلفته قيادة الثورة بالإصلاح بين الناس، والحكم بينهم بما أنزل الله، حتى تمكن المجاهدون من إخراجه إلى المغرب الأقصى.. وجاء نصر الله فعاد الشيخ إلى وطنه، وكان التعليم بأوسع معانيه هو الميدان الذي يسره الله له، فعلم في عدة ثانويات، وعمر مساجد الله بالوعظ والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكوين الإطارات الدينية، وقدر إخوانه علمه حق قدره فعين عضوا في المجلس الإسلامي الأعلى، عاملا بالخير، دالا عليه حتى أتاه اليقين في أخر سنة 1996.. فكان – إن شاء الله – من المشمولين بقوله تعالى “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا”.