-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الشيخ مصطفى ابن تكوك في ذمة الله

الشيخ مصطفى ابن تكوك في ذمة الله

جاء أجل الشيخ مصطفى ابن تكوك يوم الثلاثاء 21-3-2017، فانتقل من دار الغرور إلى دار اليقين، التي يراها الجاهلون الغافلون بعيدة، وهي في تقدير الله – عز وجل – قريبة من الإنسان، كقرب حبل وريده منه..

والشيخ مصطفى ابن تكوك هو شيخ زاوية ابن تكوك التي تنتسب إلى الحركة السنوسية التي أسسها العالم العامل الشيخ محمد بن علي السنوسي، الذي توفاه الله – عز وجل- في ليبيا في سنة 1859، بعدما علم في قلبه خيرا، فوفقه للعمل به، والدلالة عليه… وهذه الحركة المباركة هي التي أحيت ليبيا، وعلمت الليبيين العلم والعمل عن طريق الزوايا الصالحة التي أسسها الشيخ محمد بن علي السنوسي وخلفاؤه إلى أن قضى عليها “الثوريون” “التقدميون” الذين اكتشف الناس بعد سقوطهم في 2011 ما كانوا يفعلونه من منكرات، وما كانوا يرتكبونه من فواحش…

قدر الله لي أن ألتقي الشيخ مصطفى عدة مرات، اثنتان أو ثلاثا في قرية “العرعار” في بوقيرات، قرب مدينة مستغانم، والمرات الأخرى في مدينة مستغانم نفسها، حيث يوجد فرع للزاوية. 

كنت في المرة الأولى في صحبة الأخ الأستاذ عمر لونيس، مدير الشؤون الدينية في ولاية البليدة آنذاك، وكان سبب الزيارة هو البحث عن أي جديد ذي صلة بالشيخ محمد بن علي السنوسي، الذي كنت أعد بحثا عنه، وأدعو الله – عز وجل – أن ييسر لي نشره، إذ لم يبق منه إلا التنقيح وبعض الأمور التحسينية. 

لم أستفد شيئا عما ذهبت من أجله ولكني استفدت التعرف على الشيخ مصطفى الذي وجدته على غير الحال التي تصورته عليها، فقد وجدته بسيطا، بشوشا، تلقائيا، لا يتمظهر ببعض المظاهر التي يتمسك بها بعض إخواننا من شيوخ الزوايا، وقد استفتيت فيه قلبي فأفتاني، وتذكرت قول الإمام عبد الحميد ابن باديس، رضي الله عنه:

وعن صدق إحساس تأمل فإن في     ملامح وجه المرء ما يكسب العلما

ولعل تلك التلقائية، وتلك البساطة راجعة إلى أصول الحركة السنوسية البعيدة عن الشكليات، المركزة في أدبياتها على العلم النافع والعمل الصالح، ومن أحسن مبادئ هذه الحركة المباركة حضها على العمل و”تحريم” التسول على أتباعها، ولا تعودهم على كلمة “الفقر” التي يغرسها بعض الطرقيين في أذهان مريديهم، الذين يسمونهم “فقراء”، ونسوا أن الناس جميعا بمن فيهم الأغنياء – فقراء، مصداقا لقول الأصدق قيلا: “يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني”. إذ لا غنيَّ الغنى المطلق إلا الذي بيده كل شيء، وهو مالك وملك الدنيا والآخرة. 

وأما المرة الثانية التي زرت فيها الشيخ مصطفى فذلك عندما تفضل ودعاني إلى حفل تدشين مسجد في قرية “العرعار” أطلق عليه اسم العالم المجاهد أحمد الشريف السنوسي، الذي وصفه الإمام ابن باديس بـ “الصوفي السني”، الذي أكرمه الله – عز وجل – فقدر له أن يموت في المدينة المنورة. بعدما رفضت إيواءه حكومة مصر المرضي عنها من الطرقيين المنحرفين عن السنة، وآوته الحكومة السعودية الوهابية التي تعارض التصوف (انظر آثار ابن باديس ج 3 ص 262 – 263) ثم تكررت لقاءاتي وتعددت مع الشيخ مصطفى في مقره في مدينة مستغانم، وقد كنت أزوره – بدعوة منه، أو بمبادرة منا – برفقة الأخ الفاضل الدكتور عبد القادر فضيل الذي يعرفه جيدا، وكان في فترة ما أستاذا للشيخ مصطفى.. كما حدثني الدكتور فضيل الذي علم فترة في هذه الزاوية.. 

لقد كان أمل والد الشيخ مصطفى أن يكون ابنه عالما ليقوم على شؤون الزاوية، وكاد يتحقق أمل والده، حيث التحق الابن مصطفى بالأزهر – كما حدثني الدكتور فضيل عن الشيخ مصطفى نفسه – وكان ذلك في بداية الخمسينيات، وقبيل إعلان الجهاد في أول نوفمبر. علمت فرنسا أن الشاب مصطفى التحق بالأزهر، فجن جنونها، وطار صوابها فأكرهت الوالد على أن يعمل لإعادة ابنه، وأوعدته بكل سوء إن لم يعد ابنه، فاضطر الوالد إلى إرسال سيارة من هنا إلى مصر لإعادة ابنه…

فكر الشاب وقدر ما سيصيب والده إن لم يعد إلى الجزائر، وانتهى به التفكير إلى العودة إلى الجزائر… تجنيبا لوالده من سوء فرنسا وبطشها الذي ليس كمثله سوء وبطش. ولم أعلم، لا قراءة، ولا سماعا، أن فرنسا ضغطت لإعادة طالب من الخارج إلى الجزائر إلا ما وقع للشاب مصطفى ابن تكوك. 

ولعل سبب إصرار فرنسا على إعادة الشاب مصطفى إلى الجزائر هو انتساب عائلته إلى الحركة السنوسية التي كانت تعاديها ثلاث دول كبرى هي بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا. وقد حاربت هذه الدول الحركة السنوسية.. فخشيت فرنسا أن يتصل الشاب مصطفى بهذه الحركة الجهادية في ليبيا أو في مصر، فيتشبع بمبادئها، ويقتنع بأسلوبها ومنهجها وذلك ما تعمل له فرنسا ألف حساب… حيث لم تسمح لها منذ نشأتها في القرن التاسع عشر بفتح فروع لها في الجزائر وتونس والمغرب الأقصى… وأكثر الأوروبيين عداوة للسنوسية وكرها لها هم المنصرون الذين يعملون لفتنة المسلمين البسطاء عن دينهم فيجدون السنوسية في كثير من المواطن في وجوههم – ومن أهم أعمال السنوسيين في الجزائر قتلهم الضابط الجاسوس المترهبن شارل دوفوكو في عام 1916 في تمنراست. 

اندلع الجهاد في أول نوفمبر في الجزائر، ونزل الخبر على قلب الشاب مصطفى بردا وسلاما، الذي كان يغلي حقدا على فرنسا لحرمانه من القيام بواجب طلب العلم في أحد أهم معاقله، وهو الأزهر الشريف، وقد عزم على الالتحاق بصفوف المجاهدين في الجبال ليثأر من الفرنسيين للجزائر ولنفسه، وأوصل رغبته في ذلك، وعزمه عليه، ولكن قيادة المجاهدين في تلك المنطقة قدرت أنه سيكون أكثر نفعا للجهاد والمجاهدين حيث هو، فطلبت منه البقاء في المدينة، ليكون عينا وسمعا لها، يزودها بالأخبار، وينقل عنها الأخبار، ويمون المجاهدين بما يستطيع توفيره من أموال ومواد طبية وغذائية وألبسة، فامتثل لما أمر به، وقد قدم ما أقدره الله عليه، ويسره له… فجعل الله – عز وجل – ذلك في ميزان حسناته… 

وقد بقي منذ استعادة الاستقلال يساعد والده في الإشراف على شؤون الزاوية إلى أن التحقت روح والده بعالمها الأسمى، في سنة 1979، فتولى الشيخ مصطفى أمر الزاوية، ناشرا القرآن الكريم، منفقا في سبيل ذلك ما استخلفه فيه الله – عز وجل – وما يتصدق به صالح المؤمنين، زارعا المحبة في قلوب الناس، حاثا على وحدة الجزائريين، ناهيا عن المنكر، آمرا بالمعروف، مصلحا بين من ينزغ الشيطان بينهم.. فأحبه الناس لبساطته، واحتكاكه بهم، وعدم التعالي عليهم…

لقد آل أمر الزاوية إلى الشيخ الشاب محمد، نجل الشيخ مصطفى، فنرجو أن يكون نعم الخلف لنعم السلف، وأن ينجز للزاوية ما لم تقدر الأقدار لوالده أن ينجزه، وأن تكون الزاوية، في عهده مجسدة لمبادئ الحركة السنوسية الإصلاحية… وأن تكون قدوة للزوايا التي خالطتها البدع… وأن تكون الزاوية في عهده زاوية علم… 

كما أرجو من أتباع هذه الزاوية أن يقتدوا بمؤسس الحركة السنوسية العالم العامل في علو الهمة، وشرف الذمة لأن كثيرا من شيوخ الزوايا ينطبق عليهم وعلى مقدميهم ومريديهم قول الشاعر: 

ما أقبح التزهيد من واعظ        يزهد الناس ولا يزهد

حفظنا الله جميعا من الكذب، والتملق، والتمرغ على أعقاب طلاب الدنيا، البائعين للدين بالتين، اللاهثين وراء الذين استزلهم الشيطان، وأنساهم ذكر الله، ولو تمظهروا بمظاهر النساك، وما هم إلا فتاك. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!