الشيخ مطاطلة.. دوخ الاستعمار بكفاحه وألّف 300 كتاب
هو رجل ليس كسائر الرجال، اختاره القدر أن يكون آخر رجالات جمعية العلماء بالجزائر، وتلامذة المصلح الكبير الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذي غادرنا منذ بضع أيام، إنه المعلم الذي ظل ينير للأجيال طريقها نحو الخير عقود من الزمن، حاملا مشعل أستاذه الأول، إنه الشيخ الفقيد العلامة عمار مطاطلة.
“الشروق اليومي” كانت قد تنقلت إلى منزل إقامته بالابيار في العاصمة وحاورته، منذ أسابيع في عيد ميلاده الـ 100 التي سخر فيها حياته لخدمة كتاب الله تعالى ورسوله الأكرم، ويعد الفقيد العلامة عمار مطاطلة حلقة من حلقات الجهاد الكبير، وواحد من الرجال المخلصين المدافعين عن مبادئ الإسلام والقيم الوطنية، طيلة قرن من العمر قضاه في تعليم الناشئة وإصلاح المجتمع، وبث الروح الوطنية والإيمان في القلوب بما يلقي من دروس في الدين والعلوم الإسلامية .
رأت عيناه نور الحياة في 28 نوفمبر 1915 ابن منطقة وادي زقار بمدينة عين قشرة غربي ولاية سكيكدة، الإمام الخطيب والمجاهد الكبير والرئيس الشرفي لجمعية العلماء المسلمين، وكان أول الذكور عند أبيه محمد بن رابح بن وكان بمثابة الابن المدلل عند والده ولكن تدليله لم يكن تدليل ابن جاهل، بل كان تدليله تدليل عالم، حيث ختم القران في سن 11 وصلى التراويح بالناس في الـ 13 سنة، لأن والده رحمه الله كان من أكبر حفظة القرآن الكريم، وكان يصاحبه في الجلوس مع الشيوخ وذات يوم من سنة 1926 صادفهم شخص غريب جالس تحت شجرة كاليتوس بمدينة تمالوس، ولما اقترب منه ألقى عليه السلام فرد عليه الشيخ وعليكم السلام إني عبد الحميد بن باديس، وبين لهم الحركة التي يحملها وهي حركة الإصلاح، وهنا أنهى والد محمد بن رابح مقدم في زاوية بن عبد الرحمان علاقته مع الزاوية واعتنق حركة الإصلاح .
وفي سنة 1934 التحق الفقيد العلامة عمار مطاطلة بالعشر الأوائل بجمعية العلماء المسلمين بالجامع الأخضر بقسنطينة، وهناك اشتد حبه لسماع دروس الإمام عبد الحميد بن باديس ولم يعد يسمع غيره، وكان عندما يجلس أمامه يحس أنه ليس أمام إنسان وإنما أمام ملك.
المنارة العلمية المتنقلة التي تجاهلها الجزائريون
وصف الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس تلميذه عمار مطاطلة بالنجم المنير، والمنارة العلمية المتنقلة، وبأنه من أفضل تلامذة المدرسة، ومن القلائل الذين يرى فيهم سمة أهل العلم، وكان من الذين يعول عليهم في مواصلة رفع مشعل “العربية لغتنا، الإسلام ديننا والجزائر وطننا”، وكان أستاذه يحرص عليه كل الحرص إلى درجة أنه لا يسمح له بالنوم، بعد أن توسّم فيه النّجابة وسرعة التحصيل العلمي فشجعه على التدريس، إلى أن أصبح داعية وعالما شارك في عدة تظاهرات أدبية وفكرية بالداخل والخارج وكان يلقي محاضرات بالمسجد النبوي في مواسم الحج ورمضان والإجازات الصيفية.
وقد أعجب به كثير من المشايخ الكبار المشارقة، في حين تجاهله الجزائريون وغيبته السلطات، ولم يعرف منه إلا القليل من أبناء هذا الجيل على الرغم من إصدارته العديدة من المؤلفات التي فاق عددها 300 عنوان والتي أهداها كلها إلى جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة وجامعة أدرار، ولأنه يهتم بالسلوك التربوي والجانب الوعظي اعتنى بتوجيه الطلاب وإرشادهم إلى سلوك المنهج الجاد في طلب العلم وتحصيله، وعمل على استقطابهم والصبر على تعليمهم وتحمل أسئلتهم المتعددة، حتى عبر الهاتف من خلال الاهتمام بأمورهم، حيث كان عالما حرا وقاضيا حرا لأنه كان يصلح بين الناس في جميع النزاعات.
شيد 6 مساجد وأخرى مدارس قرآنية ووضع تحت الإقامة الجبرية
أدرك العلامة عمار مطاطلة أهمية المسجد في توعية الأمة، باعتباره منبرا هاما للتواصل مع الجمهور الواسع، الذي ذهب ضحية سياسة التجهيل الاستعمارية، متخذا في ذلك وصية أستاذه رائد النهضة والإصلاح في الجزائر العلامة عبد الحميد بن باديس “العلم للعلم لا بالوظيفة” جعلت من الفقيد عمار مطاطلة حريصا على تعليم تلامذته وأبناء جيله عبر مساره المهني فكانت فرصة للعلم والتعلم أكبر من الحصول على الرزق رغم أنه كان في حاجة ماسة إليه، حيث حرم أبناءه وزوجته من أكل “القوت” بعد أن ترك عائلته بمسقط رأسه، تعاني الوحدة والجوع وراح يشتري كتبا في الفقه والدين وإهدائها للناس.
وكان يشارك باستمرار في مختلف المحاضرات والملتقيات والمؤتمرات الدينية داخل الوطن وخارجه، وقد قام بتقديم دروس دينية بالمسجد النبوي الشريف، وشرع في إنجاز ستة مساجد وأخرى مدارس قرآنية أولها مسجد ومدرسة التعليم “بشاطودان” بشلغوم العيد سنة 1949، مسجدان ومدرستان بالحمري والهواري بوهران، مسجد ومدرسة قرآنية بسبدو والمشاركة في إنشاء دار الحديث بتلمسان بمعية العلامة البشير الإبراهيمي، مسجد بمسقط رأسه بقرية رابح مطاطلة بسكيكدة، وكذا المساهمة في تأسيس مسجد الخلفاء الراشدين والفرقان بالأبيار، وتميز بخطبه لصلاة الجمعة التي يحث فيها الناس على خدمة الثورة وحب الوطن والتعلق بالدين الإسلامي الحنيف، ذلك ما جعل أنظار السلطات الاستعمارية تتجه نحوه ليكف عن بث رسالته في نفوس الناس، وتمكن منه المحتل فأغلق إحدى مدارسه القرآنية، واعتقل ووضع تحت الإقامة الجبرية، غير أن كل هذا لم يمنعه من مواصله عمله النضالي في نشر التعليم وإصلاح المجتمع.
وواصل حمل مشعل أستاذه عبد الحميد بن باديس، فأيقظ العقول وبعث الحياة في النفوس التي أماتها الجهل والتخلف، ورأى الشيخ أن دروسه قد أثمرت، وأن الناس تتطلع إلى المزيد، فشجعه ذلك على إنشاء المساجد والمدارس القرآنية.
المعلم الذي دوخ الاستعمار فانتقموا من والده بوحشية
نذر عمار مطاطلة حياته لمحاربة الجهل وإنقاذ الناشئة من براثن الظلام، ومن أجل مقارعة الاستعمار باللسان والقلم، حيث سار نحو غايته راكبا مناه، مستخفا بالحذر، لأنه آمن بشعبه المكبل، وآل على نفسه ألا يدخر أي جهد من أجل تحريره، ولما كانت نفسه كبيرة، فقد استلذ ركوب الخطر حتى نال الاستعمار من والده محمد بن رابح وتخلصوا منه بطريقة وحشية، سنة 1959، حيث عذبوه حتى الموت، والأكثر من ذلك مارسوا كل فنون التعذيب على كل أفراد عائلته وخرجت دبابات جيش الاحتلال وقتلت نساء ورضعا في مجرزة جماعية بمنطقة تافغة مسقط رأسه سابقا، وتحولت هذه الأخيرة إلى مزبلة للفرنسيين لرمي قمامتهم، وأصبحت فرنسا تطلق عليها اسم “ZOUBIA“.
أما عن أولاده الذكور فصعدوا إلى الجبل سنة 56 والتحقوا بالقاعدة الشرقية، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وأعادوا المجد لهذه القرية سنة 2001، وأقدم العلامة عمار مطاطلة برفقة الوالي السابق لسكيكدة جمال الدين صالحي وأعادوا الاعتبار والمجد للمنطقة وسكانها، وأصبح يطلق عليها اسم قرية الشهيد رابح مطاطلة نسبة إلى أخيه الذي سقط شهيدا هو الآخر في سبيل حرية واستقلال الجزائر.
إرهابيون حاولوا اغتياله بعد أن فشلوا في غلق مسجد الأبيار
خلال الثمانينيات حمل الشيخ على عاتقه بناء مسجد الفرقان بالأبيار، حيث كان إماما ومدرسا، فنفع الناس بعلمه، وكان يتمتع باحترام وتقدير من الجميع، وعندما اندلعت نار الفتنة في الجزائر لم يقبل بما يحدث من أوضاع، فعمل على محاولة إطفاء نار الفتنة، غير أن همجية الجماعات المسلحة الذين كانوا ينشطون في محور الأبيار، حاولوا وعملوا ليل نهار من أجل غلق مسجد “الفرقان”، وتحويله إلى مسجد “الضرار” غير أنهم فشلوا مرارا وتكرارا، حيث وصل بهم الأمر بأن أغلقوه ليلا، غير أن الفقيد قام بإعادة فتحه فجرا وتواصلت الجماعات الإرهابية على هذا الحال إلى أن اعترضت طريقه سنة 95 ، حيث تعرض إلى اعتداء جسدي ألزمه الفراش لمدة شهر، غير انه سرعان ما عاد إلى نشاطه بمسجد “الفرقان”، وقد روى أنه ذات يوم بينما كان عائدا من المسجد، وجد شابا في طريقه، فقال له هذا الشاب إنه ذاهب إلى الجبل ليتدرب على حمل السلاح، غير أنه وبعد سنوات السلم والمصالحة التقى به ذلك الشاب فقال له: لقد ندمت على الطريق الذي انتهجته “وعانقني وهو يبكي”.
وصية الفقيد تكشف حرصه على الشباب وجمعية العلماء
تكشف وصية العلامة الفقيد عمار مطاطلة، طيّب الله ثراه، مدى حرصه على أمة الإسلام، وعلى الدعوة إلى سبيل ربه، حتى مماته، كما تبين مدى تعلقه بجمعية العلماء وخوفه عليها، مع إعطاء ذكرى 16 نوفمبر حقها، داعيا الشباب إلى قراءة كتاب الله مخاطبهم بالقول: “يا شباب الزمان راكم خرجتم على الطريق أو خرجوكم، فإن الأمور بلغت منتهاها من العار، فيجب عليكم أن تنتبهوا فالمستقبل مستقبلكم فأنتم المسؤولون عن المستقبل وأنتم الذين تبنون المستقبل وإياكم أن تبنوه على غير العربية والإسلام”.
وأوصى في آخر وصيته المؤثرة بالحفاظ على جمعية العلماء المسلمين، وقال إنه بالحفاظ عليها تُحفظ الغايات، كما أوصى أبناءه بالسير على دربه في نشر العلم والتعلم بين الناس وتحقيق حلمه بإنجاز مسجد عين بوزيان في ولاية سكيكدة، بعد أن كان المرحوم ينوي وضع حجر أساسه بمناسبة ذكرى يوم العلم الداخلة علينا غير أن الأجل خطفه.
نجله اللواء عبد الحميد: علمنا الصبر والثبات والكفاح
يفتخر اليوم اللواء عبد الحميد نجل الفقيد عمار مطاطلة، بما قدمه والده من تضحيات كبيرة من أجل هذا الوطن ومن أجل أن ينعم أبناء الجزائر، ويقول إن الوالد فرش لنا أرضية متينة، وبذل قصارى جهده في محاربة الاستعمار رغم الفقر والجهل والاحتياجات، وأكبر حاجة علمها لنا الصبر والثبات والكفاح والمواظبة والدفاع عن مقومات هذه الأمة.