باريس تجنح للعقل بعد يأسها من تحقيق أهدافها بالضغط
بعد أشهر من التمنع والهروب إلى الأمام، جنحت السلطات الفرنسية إلى خيار التهدئة مع الجزائر، أملا منها في تفكيك ألغام تعترض استعادة العلاقات الثنائية طبيعتها، منذ أن قرر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قبل نحو سنتين، الانحياز بشكل مفضوح، إلى النظام المغربي في قضية الصحراء الغربية، رغم إدراكه حساسية هذا الملف بالنسبة للجزائر.
وفي موقف غير متوقع، فاجأ المدعي العام الفرنسي، هيئة الدفاع والقضاة، بطلبه الإفراج عن العون القنصلي الجزائري، الموجود في السجن بفرنسا خارج الأعراف الدبلوماسية والقنصلية منذ أزيد من سنة، بداعي أن استمرار سجنه “لم يعد مجديا في الوصول إلى الحقيقة”، الأمر الذي اعتبر تحولا في هذه القضية، التي حالت عن حصول تقدم في العلاقات الثنائية رغم الزيارات الرسمية المتبادلة بين مسؤولي البلدين.
واستنادا إلى ما أوردته صحيفة “لوموند” الفرنسية، فإن التماس النيابة العامة لمكافحة الإرهاب جاءت عقب طلب إطلاق سراح قدمه محامو الدفاع، الأمر الذي اعتبر، وفق الصحيفة، “تراجعا واضحا” في موقف النيابة العامة بشأن هذه القضية، إذ كانت النيابة العامة لمكافحة الإرهاب ترفض حتى الآن جميع طلبات إطلاق سراح الموظف القنصلي.
“ميديا بار”: مصدر دبلوماسي فرنسي متشائم بشأن استعادة العلاقات عافيتها
وتساءلت الصحيفة إن كان هذا المعطى يعتبر “مرونة جديدة مرتبطة بالجهود المبذولة خلف الكواليس بين باريس والجزائر لحل الأزمة وتأمين إطلاق سراح الصحفي الفرنسي، كريستوف غليز، الذي رفضت السلطات الجزائرية إلى غاية اليوم، العفو عنه”، بالرغم من تهيئة الظروف لذلك، وفق الرواية الفرنسية.
وحتى الآن، لا يزال قاضي الحريات والاحتجاز المكلف بقضية الموظف القنصلي الجزائري يرفض الإفراج عنه، كما حصل في جلسة 18 جوان الجاري، غير أن قرار الرفض تم استئنافه، على أن يصدر القرار في جلسة تعقد قبل 13 جويلية الجاري، وفق مصادر “لوموند”.
وإلى وقت قريب، كان المسؤولون الفرنسيون يبررون استمرار سجن الموظف القنصلي الجزائري، والذي سجن بمكيدة دبرها وزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو روتايو، في 12 أفريل 2025، باستقلالية العدالة وهو مسوغ لم يقتنع به الطرف الجزائري، الذي أصر على فساد إجراءات سجن الموظف القنصلي الذي راح ضحية عداوة أطراف سياسية فرنسية، تحاول توظيف الأزمة مع الجزائر لتحقيق مكاسب سياسوية وانتخابية.
وتتحدث التسريبات الفرنسية عن مؤشرات عرض فرنسي للمقايضة بين الموظف القنصلي الجزائري، والصحفي الفرنسي الذي يقضي عقوبة سبع سنوات سجنا نافذا في قضية تتعلق بدعم الإرهاب والإشادة به، وهو ما يسقط سردية المسؤولين الفرنسيين الذين تحججوا طويلا باستقلالية العدالة الفرنسية، وهو ما تبين زيفه مع مرور الوقت، بعد التحول الذي طرأ على موقف النيابة الفرنسية الأخير.
ولعل ما يعزز هذه المقاربة، هو تلقف منظمة “مراسلون بلا حدود”، التغير الحاصل في موقف النيابة الفرنسية من قضية الموظف القنصلي الجزائري، والمطالبة بإطلاق سراح الصحفي الفرنسي، الذي يبقى مصيره معلقا على قرار العدالة الفرنسية.
وحسب ما أوردته “لوموند”، فإن الطرف الفرنسي اقتنع بأن استمرار سجن الموظف القنصلي الجزائري، يعتبر عقبة رئيسية أمام أي تطبيع للعلاقات بين البلدين، بل إنه قضى على أي أمل في العفو عن الصحفي الرياضي كريستوف غليز، الذي فشلت كل مساعي باريس في العفو عنه، بل زادت بعض الممارسات الفرنسية من تعقيد وضعه، من خلال محاولة تدويل قضيته بإقحام الاتحاد الدولي لكرة القدم في استفزاز الجزائر.
وبرأي المراقبين، فإن التشدد الجزائري في التعاطي مع مناشدات باريس الإفراج عن الصحفي الفرنسي، هو الذي دفع الحكومة الفرنسية للضغط على العدالة “المستقلة”، من أجل البحث عن حل ينهي سجن الموظف القنصلي وعودته إلى أهله في الجزائر.
ويتضح هذا بجلاء، من خلال توقيت جنوح النيابة الفرنسية إلى طلب الإفراج عن الموظف القنصلي، والذي يتزامن مع عيد الاستقلال في الجزائر (5 جويلية)، الذي عادة ما يصدر فيه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، عفوا عن المساجين.
غير أنه وفي ظل تردد الطرف الفرنسي في الإفراج عن الموظف القنصلي، فإنه من المستبعد أن يصدر العفو عن كريستوف غليز، بمناسبة عيد الاستقلال، لأن الثقة مفقودة بين الطرفين، كما أن إبقاء الرعية الجزائري من دون إفراج كامل بحرمانه من العودة إلى أهله، سينسحب أيضا على السجين الفرنسي، لا يستبعد أن يتلقى المعاملة ذاتها، بمعنى إنهاء الإجراءات من الجانبين مهما كانت مبررات الطرف الفرنسي، الذي يدفع بانتهاء إجراءات التقاضي بالنسبة للرعية الفرنسي، عكس الرعية الجزائري.
وفي سياق ذي صلة، نقلت صحيفة “ميديا بار” الاستقصائية، عن مصدر دبلوماسي فرنسي تشاؤمه بشأن استعادة العلاقات بين الجزائر وباريس عافيتها بسبب خصوصيتها، وأشارت إلى أن قرار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، من قضية الصحراء الغربية، خلف زلزالا كاد يقود إلى قطيعة دبلوماسية، وأعاد إلى الواجهة جملة من الملفات الحساسة التي كانت الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا تحاول اخفاءها، وعلى رأسها الإرث الاستعماري والذاكرة التاريخية.