-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الشيخ نحناح والبُعد الديمقراطي للدَّولة الجزائرية

ناصر حمدادوش
  • 226
  • 0
الشيخ نحناح والبُعد الديمقراطي للدَّولة الجزائرية

تمرُّ علينا الذكرى الـ23 لوفاة الشيخ محفوظ نحناح عليه رحمة الله، والتي توافق 19 جوان من كلِّ سنة، وهي مناسبةٌ للغوص -في كلِّ مرَّة- في أعماق عطاءاته الفكرية والسِّياسية، والوقوف على بعض إسهاماته على مستوى الدَّعوة والدولة، ونقف هذه السَّنة عند سؤال البُعد الديمقراطي للدولة الجزائرية في فكر الشيخ نحناح، إذْ أنَّه من الإشكاليات الفكرية التي واجهت الحركة الإسلامية المعاصِرة، سؤال الدولة الحديثة، وتحدِّي مفهوم الديمقراطية الغربية في بُعديها الفلسفي والإجرائي.
لقد بقي مفهوم الدولة في الإسلام وفي العصر الحديث من المسائل السِّياسية التي وقع عليها الجدل في الفكر السِّياسي الإسلامي المعاصر، وفي التجربة السِّياسية للحركة الإسلامية المعاصرة، ومنها: التجربة السِّياسية للشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، وهو امتدادٌ لذلك التقصير الذي وقع في تاريخ الفكر السِّياسي الإسلامي قديمًا، في مسألة التأصيل لمفهوم الدولة، ووظائفها ومقاصدها والغايات التي تقتضي أصل قيامها.
لقد أحدث سقوط الخلافة الإسلامية رسميًّا سنة 1924م هزَّةً عنيفةً في الوعي الإسلامي المعاصر، وخلق تحدِّيًّا جديدًا في الفكر السِّياسي الإسلامي، بعد أنْ أصبحت الدولة الوطنية الحديثة حقيقةً موضوعية، فرَض التعاملَ معها مبدأُ ضرورات الواقع، مع بقاء نموذج الخلافة الإسلامية قائمًا في أدبيات الحركة الإسلامية المعاصرة، وفي ضميرها الجمعي وتصوُّرها الذّهني، وخاصة أنَّ مفهوم «الأمَّة» لديها يستوعب جميع المسلمين في العالم برباط العقيدة، كما في قوله تعالى: «إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ»(الأنبياء:92)، وهو يختلف عن مفهوم «الأمَّة» في الدولة الحديثة، والذي يستوعب قومًا برباط الجغرافيا أو العِرق ولو اختلفوا في الدِّين والعقيدة، ممَّا يعني أنَّ هذا المفهوم للأمَّة لدى الحركة الإسلامية يجعل مفهوم الدولة القُطْرية دولة «مؤقتة» في إطار المشروع الأممي لها، وهو: الخلافة، وخاصَّة مع ورود نصوصٍ شرعية تؤكِّد بقاءَ مصطلح الخلافة إلى آخِر الزَّمان، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده:«.. ثُمَّ تَكُونُ خِلَافةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ..».
ولذلك فقد استغرق مفهوم «الدولة الإسلامية» قرابة القرن من الصَّحوة الإسلامية المعاصرة لتبدأ المراجعات بإعادة التفكير خارج إطار المفهوم التقليدي للخلافة، ليتمَّ الاقترابُ بشكلٍ واقعيٍّ من مفهوم الدولة الحديثة خارج إطار الإيديولوجيا، والتحوُّل نحو الدولة الوطنية القُطرية كحقيقةٍ واقعية لا مناص من الاعتراف بها والتعامل معها، ويتمُّ التكييف الفقهي للأحكام المترتِّبة عليها، وهي خطوةٌ مهمةٌ باتجاه تأصيل فكرة الدولة الوطنية في الخطاب الإسلامي السِّياسي المعاصر.
ويُعدُّ الشيخ نحناح من أعلام الحركة الإسلامية الذين تجاوزوا هذا الجدل الفكري حول مفهوم الدولة الحديثة، فهو يؤمن بأنَّ الدولة الإسلامية لا تقوم على أساس وَحدة العقيدة فقط، فقد استوعبت تاريخيًّا أديانًا أخرى، فيقول «أمَّتنا توحَّدت عبر التاريخ برابطة العروبة والإسلام، أو برابطة العربية والحضارة الإسلامية، ورَضِي بها حتى فريقٌ من النَّصارى وبعض الطوائف الأخرى، ولم يتأخَّروا في مناصرة الانتماء وإعلان الولاء..»، وقد حسم الشيخ نحناح مسألة الإيمان بالدولة الوطنية الجزائرية وولائه المطلق إليها، والتأسيس لمفهوم الوطنية والمواطنة فيها، فيقول: «قام المشروع السِّياسي الوطني على مبدأ الاستقلال التام والكامل عن فرنسا، وعلى السَّعي لبناء الدولة الوطنية ذات السِّيادة».

المنشودة»: «أنَّ الشَّعب هو صاحب السِّيادة ومصدر السُّلطة في الدولة»، وأنَّ من شروط الوصول إلى الديمقراطية الحقيقية أن تكون الإرادة الشعبية المعبَّر عنها من خلال الانتخابات الحرَّة والنزيهة هي السبَّيل الطبيعي والقانوني للبناء المؤسَّساتي لها، وقد جعل من أهداف منهج المشاركة ودوافعه الفكرية، هو «المساهمة في الحفاظ على الدولة الجزائرية، ومنع بنيانها من الانهيار والسُّقوط.»

ومن المسائل الملازِمة للدولة في تأسيسها وضمان نصاب بقائها والحفاظ عليها، هي مسألة الشرعية السِّياسية للسُّلطة داخل الدولة، فيؤمن الشيخ نحناح بالمبادئ الكبرى التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، ومنها المبدأ الذي نصَّ عليه في كتابه «الجزائر المنشودة»: «أنَّ الشَّعب هو صاحب السِّيادة ومصدر السُّلطة في الدولة»، وأنَّ من شروط الوصول إلى الديمقراطية الحقيقية أن تكون الإرادة الشعبية المعبَّر عنها من خلال الانتخابات الحرَّة والنزيهة هي السبَّيل الطبيعي والقانوني للبناء المؤسَّساتي لها، وقد جعل من أهداف منهج المشاركة ودوافعه الفكرية، هو «المساهمة في الحفاظ على الدولة الجزائرية، ومنع بنيانها من الانهيار والسُّقوط».
ويرى الشيخ نحناح أنَّ مسألة الشَّرعية هي أُسُّ أزمة الجزائر بعد الاستقلال، وهي التي ولَّدت حالة الانفصام بين الدَّولة والأمَّة، وحالة الانفصال بين النِّظام والشَّعب، فيقول:«أزمتنا أزمةُ نظامٍ فَقَدَ شرعيته، لأنَّه عجز منذ البداية عن بناء هذه الشَّرعية على أُسُسٍ سليمةٍ واضحة وعصرية»، ويعتقد أنَّ بقاء النظام السِّياسي ونجاحه مرتبطٌ بهذه الشَّرعية المبنية على الديمقراطية الحقيقية، والتي تجسِّد «رِضَا الشَّعب» عنه، فيقول: «أنَّ قيام الحُكم وبقاءَه يرتكز على مدى نجاحه في كسب رضَا النَّاس عنه وقبولهم به، وأنَّ هذا الرِّضا والقبول يتأسَّس بحرص الحاكم على إقامة العدل بين النَّاس، وبلغتنا المعاصرة: أنَّ قيام نظامٍ سياسيٍّ معينَّ واستمراره يرتكز على مدى شرعيته، وقبل ذلك على طبيعة هذه الشَّرعية..».
ومع أنَّه يرى أنَّ مسألة الشَّرعية ليست وحدها السَّبب في أزمة النِّظام السِّياسي، إلاَّ أنَّه يعتبرها جوهر قيامه وبقائه، فيقول: «لكنَّنا نقصد أنَّ مسألة الشَّرعية هي جوهر قيام النِّظام السِّياسي وبقائه».
وترتبط مسألة الشَّرعية ارتباطًا عضويًّا بمسألة «الديمقراطية»، والتي عَانَى الإسلاميون في بدايات انخراطهم في العمل السِّياسي من جدلية «حكم الديمقراطية في الإسلام»، كنوعٍ من المراهقة الفكرية والسِّياسية، بتلك النَّظرة الفقهية الضيِّقة، وذلك بالتعسُّف في مفهوم الديمقراطية كمُنتَجٍ غربي لا يخلو من أبعادٍ فلسفية وعقدية، فهي: حكم الأغلبية التي تفرزها الانتخابات، مع أنَّ رأي الأكثرية ليس معيارًا للحقِّ والباطل، وأنَّ السِّيادة للأمَّة وهي مصدرُ السُّلطة، وهو ما يعني أنَّ العقل هو الحاكمُ المطلق الذي يصدِر الأحكام على أفعال الإنسان، أيْ أنَّ القوانين هي حتمًا من صنع البشر، وأنَّ الخضوع يكون لرأي الأغلبية، ممَّا يجعل النظام الديمقراطي يقوم على قاعدة: فصل الدِّين عن الدولة، ومن ثمّ فإنَّ الحاكمية والسِّيادة وتشريع الأحكام هي للعقل وليست للشَّرع، وهو ما يعني الاحتكام إلى غير الله، وهو ما يتنافى -بزعمهم- مع مرجعية الكتاب والسُّنة في الحُكم، مثل قوله تعالى: «فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»(النساء: 59)، إلاَّ أنَّ الشيخ نحناح تجاوز هذا الجدل الفقهي، فهو يرى أنَّ الديمقراطية ليست مفهومًا فلسفيًّا غربيًّا، كنظامٍ عقائديٍّ شامل، بل هي منهجٌ عمليٌّ وآليةٌ إجرائيةٌ لاتخاذ القرارات في الشَّأن العامّ، فيقول «الحقيقة أنَّ الديمقراطية المعاصرة بعيدةٌ عن هذا الاعتقاد، فهي ليست عقيدة شاملة، ولا نظامًا اقتصاديًّا- اجتماعيًّا له مضمون عقائدي (إيديولوجي) ثابت. إذ الديمقراطية المعاصرة منهجٌ عمليٌّ (طريقة آلية) لاتخاذ القرارات ذات الصِّبغة العامة».
وهو بذلك يؤكِّد أنَّ الإسلام شرَّع المبدأ وهو «الشُّورى»، وترك الآليات التنفيذية إلى الاجتهاد البشري بحسب الظروف والعوائد، مثل: الديمقراطية بجانبها الإجرائي وهو الانتخابات، وأنَّ العبرة بتحقيق المقصد الذي شُرِّع من أجله، كما يقول الدكتور «فتحي الدُّريني» في كتابه «خصائص التشريع الإسلامي في السِّياسة والحكم»: «أنَّ الإسلام لم يحدِّد طرائق التطبيق لمبادئه، بل تركها للاجتهاد، فكلُّ نظامٍ اجتهاديٍّ من شأنه أن يحقِّق تلك المفاهيم الكبرى والمقاصد الأساسية في الإسلام، فهو من الشَّرع وإنْ لم ينطق به»، فيحاول الشيخ نحناح التوصُّلَ إلى مفهومٍ مقبولٍ وواقعيٍّ للديمقراطية المعاصرة، من خلال خصائصها ومميِّزاتها الأساسية، ليصل إلى مسوِّغات تبنِّيه لها كمنهجٍ أساسيٍّ للتغيير، فيؤكِّد أنَّ «موقفنا الوسطي القائم على تبنِّي الديمقراطية كأفضل نظامٍ لتحقيق الشُّورى في ميدان الممارسة الواقعية..». ولذلك فهو يعتقد أنَّ نظام الحكم الديمقراطي لا يتناقض مع المقاصد الكبرى للإسلام، فيقول: «بالنَّظر إلى كلِّ ما سبق نستطيع أنْ نقول إنَّ الشروط والمبادئ والمؤسَّسات التي يتطلَّبها قيام نظام الحكم الديمقراطي لا يتناقض مع جوهر المقاصد والغايات الكبرى التي جاء بها الإسلام، وخاصة مع القيم الأساسية التي تحكم الحياة السِّياسية، وعلى رأسها: العدل، الشُّورى، والحرِّية».
وبالرَّغم من إنجازات التجارب الديمقراطية الرَّاهنة في مجال حقوق الإنسان، ونجاحها النِّسبي في السَّيطرة على مصادر العنف، وإدارة التناقضات والاختلافات الاجتماعية حضاريًّا، والتداول على السُّلطة سلميًّا، فإنَّ الشَّيخ نحناح يتحدَّث عن «أزمة الديمقراطية الغربية»، وعن العوائق التي تقف دون بلوغ غاياتها المثالية، فيذكر من مظاهر هذا التشوُّه:
«أنها لم تتمكَّن من تحقيق حكم الشَّعب بالمعنى الحرْفي (الشَّعب كلَّه بسبب العزوف)، فهي في النِّهاية نظامُ حكمِ الأغلبية… وأنَّ الممارسة الديمقراطية المعاصرة ناقصةٌ أيضًا لغلبة الطابع القانوني والإجرائي عليها، نتيجة عدم ضمان الحدِّ الأدنى من المساواة السِّياسية بين المواطنين مساواةٍ حقيقية… وبروز النُّخب الحاكمة التي تتبادل أدوار الحكم والمعارضة، وتتعاون فيما بينها على احتواء الشعب، بدلاً من توفير مزيدٍ من المشاركة السِّياسية الفعَّالة لأفراده وجماعاته، ومن أبرز صور التحايل على المبادئ الديمقراطية… محاولة الدوران على مبدأ التداول على السُّلطة عن طريق ما يُسمَّى التغيير ضمن دائرة الاستمرارية»، ثم يذكر أنَّه من أزمات الديمقراطية المعاصرة على المستوى الدولي: أنَّ: «غياب الممارسة الديمقراطية في العلاقات الدولية يُعتبر نُقصًا آخر من النَّقائص الكامنة في النِّظام الديمقراطي، وعائقًا مهمًّا من عوائق تطوُّره وانتشاره».
ومع كلِّ هذه الاختلالات في النظام الديمقراطي، إذْ لا توجد هناك «ديمقراطية مثالية»، إلا أنَّ الشيخ نحناح يُبقي على منهج الموازنة ضمن الاجتهاد المقاصدي السِّياسي حاضرًا، فيقول: «لكن بالرَّغم من هذا، فإنَّ هناك فارقًا أساسيًّا بين النُّظم الديمقراطية والنُّظم المستبدة، يتمثَّل في قدرة النِّظام الديمقراطي على حلِّ مشاكله وتخطِّي أزماته، بفضل فعالية وانضباط منهجه».
إنَّ هذا النُّضج الفقهي والفكري والسِّياسي للشيخ نحناح في تأكيده على «البُعد الديمقراطي للدولة» يلامس ذروة النُّضج الذي سطَّره قادة الحركة الوطنية والثورة التحريرية في بيان أوَّل نوفمبر، بالجمع بين «البُعد الديمقراطي» و»الطابع الإسلامي» للدولة الجزائرية، بقولهم عن الخطوط العريضة لبرنامج الثورة السِّياسي، بأنَّ الهدف هو «الاستقلال الوطني، بواسطة:إقامة دولةٍ ديمقراطية اجتماعية ذات السِّيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية، واحترام جميع الحرِّيات الأساسية دون تمييزٍ عِرقيٍّ أو ديني».

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!