الرأي

الشيخ نعيم النعيمي

من عادتي‮ ‬أن أكون في‮ ‬مثل هذه الأيام من كل عام في‮ ‬مدينة عين صالح،‮ ‬وفي‮ ‬بلدة فڤارة الزّوى بالذات،‮ ‬التي‮ ‬تبعد عن عين صالح حوالي‮ ‬40‮ ‬كيلومترا،‮ ‬حيث‮ ‬يعقد فيها منذ أكثر من عشرين عاما ملتقى بسيط من حيث الشكل؛ كبير من حيث الموضوعات المتناولة والتنظيم،‮ ‬ولست حانثا إن أقسمت أنه‮ – ‬على بساطته‮- ‬أفضل من كثير من الملتقيات الرسمية التي‮ ‬تلتهم الأموال التهاما،‮ ‬ولا تؤتي‮ ‬ثمرا،‮ ‬فهي‮ ‬كما‮ ‬يقال‮: “‬حركة ولا بركة‮”.‬

وإذا كان قد كتب له الاستمرار طيلة هذه الأمة من السنوات فلأنه أُسس على تقوى من الله،‮ ‬على‭ ‬يد عبد صالح هو الشيخ محمد الزاوي‮ – ‬رحمه الله عليه‮- ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يحرص على نوعية المدعوين‮.. ‬وقد طلب من بعض الإخوة أن‮ ‬يكون في‮ ‬صحبتهم شخصان أثبتت الأيام أنهما ليسا على‭ ‬شيء‮..‬رغم بسطتهما في‮ ‬العلم‮.. ‬فهما كما‮ ‬يقول المثل التونسي‮: “‬إذا نصحك الجربي‮ ‬‭-‬‮ ‬نسبة إلى‭ ‬جزيرة جربة‮ – ‬نص النصيحة ليه‮”.‬

إنني‮ ‬أحرص على‭ ‬حضور هذا الملتقى‮ – ‬رغم بعد الشُّقّة‮ – ‬لأنه‮ – ‬ومثله‮ – ‬يتيح للإخوة أن‮ ‬يتواصلوا،‮ ‬ويتواصوا بالحق ويتواصوا بالصبر،‮ ‬ولأنه‮ ‬يمكّن القادمين من خارج المنطقة أن‮ ‬يعرفوها ويكتشفوا ما فيها من مناطق وثمرات،‮ ‬فقد قيل لنا إن فيها ثلاثة عشر نوعا من التمور،‮ ‬ولا‮ ‬يعزب عن البال الاستفادة مما‮ ‬يطرح من أفكار وما‮ ‬يثار من قضايا‮.. ‬وأمر خاص هو أن الشيخ محمد الزاوي‮ ‬أخذ علينا‮ – ‬ڤسوم والعبد لله‮- ‬موثقا عندما قال لنا ذات‮ ‬يوم عندما زرناه في‮ ‬مستشفى فرانز فانون‮ :‬‭ ‬‮”‬إن ملتقى فڤارة الزّوى أمانة في‮ ‬عنقيكما‮”..‬

لقد تزامن هذا الموعد في‮ ‬هذه السنة مع ملتقى آخر كان الإخوة في‮ ‬مدينة سيدي‮ ‬خالد قد أعدوا له عدة،‮ ‬يتناول حياة أحد علماء الجزائر وأعماله‮.. ‬وقد تفضلوا فدعوني،‮ ‬فلبيت الدعوة،‮ ‬وشكرت الداعين‮… ‬وبدأت أفكر فيما سأقوله،‮ ‬وأجمع له ما أمكن من المعلومات‮ ..‬ولكن‮ – ‬كما قال الشاعر الجاهلي‮-:‬

وأعلم عِلم اليوم والأمس قبله‭**‬‮ ‬ولكنني‮ ‬عن علم ما في‮ ‬غد عَم

فقد شاء الله أن أصاب بوعكة حسبتها خفيفة؛ ولكن الطبيب لم‮ ‬يأذن لي‮ ‬بالسفر،‮ ‬حتى‮ ‬يتبين الأمر،‮ ‬لأن الوعكة الخفيفة قد تتطور إن لم‮ ‬يبادر بعلاجها‮..‬

قلت في‮ ‬نفسي‮ ‬لئن لم‮ ‬يقدر لي‮ ‬الله‮ – ‬عز وجل‮ – ‬حضور ملتقى الشيخ نعيم النعيمي‮ ‬في‮ ‬سيدي‮ ‬خالد فلن أفوت فرصة الكتابة عنه،‮ ‬وكدت أن أرجع عما عزمت عندما تذكرت كلمة الإمام الابراهيمي‮ ‬التي‮ ‬يقول فيها‮: ‬إن”كلام المريض مريض‮”. (‬البصائر‮ ‬25‮ ‬‭-‬‮ ‬9‮ ‬‭-‬‮ ‬1953‮ ‬ص‮ ‬8‮)‬؛ ولكن عزمت الكتابة وإن شابتها شوائب مادمت متدثرا بقوله تعالى‮: “‬ليس على المريض حرج‮”.‬

لم أعرف الشيخ نعيما،‮ ‬فقد كان مقامه في‮ ‬قسنطينة،‮ ‬وكنت أقيم في‮ ‬العاصمة،‮ ‬ولكنني‮ ‬عرفت بعض أصدقائه وبعض تلاميذه في‮ ‬معهد الإمام عبد الحميد ابن باديس وفي‮ ‬جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين كانوا‮ ‬يخوضون أشرس معركة بين حق بُغي‮ ‬عليه وبين باطل استعلى،‮ ‬فبغى الفساد وطغى في‮ ‬البلاد‮.. ‬فكان حديث الأصدقاء‭ ‬الاحترام،‮ ‬وكان حديث التلاميذ التقدير والوفاء‮..‬

أول ما سمعت عنه حديث أستاذي‮ ‬الدكتور أبي‮ ‬القاسم سعد الله فيما كان‮ ‬يحدثنا عنه من مشروعه الكبير عن تاريخ الجزائر الثقافي،‮ ‬وكان حديث المعجب بذكائه وذاكرته‮…‬

وقد أجمع عارفوه أنه ذو نفس عصامية وعزم شديد،‮ ‬سهّلا عليه الضرب والسير في‮ ‬البلاد بعيدا عن مضارب أهله،‮ ‬ودام ذلك عددا من السنين،‮ ‬احتك فيها بأهل العلم واستفاد منهم،‮ ‬فكان ـ كما قال عنه الإمام الإبراهيمي‮:”‬حجة على أن الذكاء والاستعداد‮ ‬يأتيان مع قليل من التعليم بالعجائب‮”. (‬آثار الإبراهيمي‮ ‬2‮ ‬‭/‬‮ ‬219‮). ‬

لقد احتار صديقه الأستاذ أحمد رضا حوحو في‮”‬ميزانه‮” ‬أين‮ ‬يصنفه،‮ ‬في‮ ‬صنف العلماء وفي‮ ‬صنف الأدباء؟ والأمر في‮ ‬رأيي‮ ‬أسهل،‮ ‬فهو ممن كان سلفنا‮ ‬يسميهم‮ “‬مشارك‮”‬،‮ ‬أي‮ ‬يأخذ من كل علم بطرف وبقوة‮.. “‬فهو ـ بشهادة الإمام الإبراهيمي‮ ‬ـ‮ ‬يحفظ الأحاديث بأسانيدها،‮ ‬ويحفظ عدة أَلفيات في‮ ‬السير،‮ ‬وعلوم الأثر،‮ ‬والنحو،‮ ‬ويحفظ كثيرا من متون العلم،‮ ‬ويجيد فهمها وتفهيمها،‮ ‬ويحفظ جزءا‮ ‬غير قليل من اللغة مع التفقه في‮ ‬التراكيب،‮ ‬ويحفظ أكثر مما‮ ‬يلزم الأديب حفظه من أشعار العرب قديمها وحديثها،‮ ‬ومن رسائل البلغاء قريبا من ذلك‮…” (‬المصدر نفسه ص‮ ‬220‮)‬،‮ ‬وهذه هي‮ ‬وسائل العالم والأديب كليهما،‮ ‬وأسلحتهما‮. ‬

لا شك في‮ ‬أن ما‮ ‬يتوافر عليه الشيخ النعيمي‮ ‬من علم‮ ‬غزير،‮ ‬هو الذي‮ ‬جعل الإمام الإبراهيمي‮ ‬يصطفيه للتدريس بمعهد ابن باديس رغم أنه لا‮ ‬يحمل شهادة علمية،‮ ‬واعتبر الإمام ما قاله في‮ ‬الشيخ النعيمي‮ “‬شهادة‮”‬،‮ ‬وما أعظم وأجل شهادة من شهد له الشيخ أبو‮ ‬يعلى الزواوي‮ ‬بأنه‮ “‬الزمخشري‮ ‬ذات وصفة وفصاحة ولغة‮”. (‬البصائر‮ ‬27‮ ‬‭-‬‮ ‬11‮ ‬‭-‬‮ ‬1936،‮ ‬ص‮ ‬2‮)‬،‮ ‬والمعروف أنه قيل عن الزمخشري‮:”‬لولا الكَوسج الأعرج لبقي‮ ‬القرآن بِكرا‮”. (‬والكَوسج هو الذي‮ ‬لا لحية له إلا في‮ ‬الذقن‮). ‬

أدوأ أدوائنا ـ نحن الجزائريين ـ هو هجر الكتابة،‮ ‬وكم من عالم ذهب إلى ربه ولم‮ ‬يكتب ما أفاء الله عليه من علم،‮ ‬فضاع علينا خير لا‮ ‬يقدر بثمن‮.. ‬وإن كتب أضاع هو أو ورثته ما كتب‮.. ‬فالشيخ النعيمي‮ “‬يقرض قطعا من الشعر كقطع الروض نقاء‭ ‬لغة،‮ ‬وصفاء‭ ‬ديباجة،‮ ‬وحلاوة صنعة،‮ ‬وقد أسلس له الرّجز قياده فهو‮ ‬يأتي‮ ‬منه بالمطولات لزومية منسجمة سائغة في‮ ‬روية تشبه الارتجال،‮ ‬وهو ثاني‮ ‬اثنين من رُجّاز العرب في‮ ‬عصرنا هذا‮..”. (‬آثار الإبراهيمي‮: ‬ج2‮. ‬ص‮ ‬220‮).. ‬ولكن أين هي‮ ‬هذه”القطع‮” ‬الغنّاء؟

وقد ذكر الأستاذ محمد الحسن فضلاء أنه‮ ‬يعلم أن الشيخ النعيمي‮ ‬نظم‮ “‬القطر‮” ‬في‮ ‬النحو‮.. ‬وأورد منه قوله‮: (‬محمد الحسن فضلاء‮: ‬أعلام الإصلاح في‮ ‬الجزائر‮. ‬ج1‮. ‬ص‮ ‬163‮).‬

قال‮ “‬نعيم‮” ‬الفقير المذنب‮ ‬‭***‬‮  ‬أحمد ربي‮ ‬مَن إليه المهرب

مصليا على الرسول الماجد‮ ‬‭***‬‮ ‬وعلى‭ ‬صحبه الأماجد‮ ‬

وبعد،‮ ‬فالمقصود نظم ما اشتمل‮ ‬‭***‬‮ ‬عليه‮ “‬متن القطر‮” ‬مما‮ ‬يُنتحل‮ ‬

من درر القواعد النحوية‮ ‬‭***‬‮ ‬إذ نفعه قد عم البرية

وقد سمعت كثيرا من الناس‮ ‬يتحدثون عن ثراء‭ ‬مكتبة الشيخ النعيمي،‮ ‬ولا أدري‮ ‬ما هو المصير الذي‮ ‬آلت إليه‮..‬

قال رومان رولان‮: “‬إن أكبر واجب نؤديه إلى‭ ‬الموتى هو أن نحيا لا أن نموت،‮ ‬إن موتانا‮ ‬يحيون بحياتنا،‮ ‬ويموتون مرة ثانية بموتنا‮”‬،‮ ‬فما دمنا لم نحي‮ ‬ذكريات أسلافنا وأعمالهم وآثارهم فكأننا أمتناهم،‮ ‬بل كأننا أموات ونحن‮ “‬أحياء‮”. ‬

وأنا لا ألوم أحدا،‮ ‬ونفسي‮ ‬ألوم،‮ ‬وعسى أن نستفيق مما نحن فيه،‮ ‬ونكف عن حمد ومدح من لا‮ ‬يستحق الحمد والمدح،‮ ‬وهو أولى بالذم والقدح‮..‬وما أبعد البَون بين‮ “‬البرّاح والجرّاح‮”. ‬رحم الله الشيخ نعيم النعيمي‮ ‬وكل علمائنا العاملين،‮ ‬وألحقنا بهم لا مبدلين ولا مغيرين،‮ ‬وللأمانة‮ ‬غير خائنين‮.. ‬

مقالات ذات صلة