الصحافية والكاتبة الروسية إيزابيل إبرهاردت عشقت الصحراء الجزائرية وفضحت السياسة الاستعمارية
حلّت يوم الاثنين 21 أكتوبر 2024 المنصرم الذكرى الـ120 عاما لوفاة الأديبة والكاتبة والصحفية والرحالة والمراسلة الحربية الروسية المسلمة إيزابيل إبرهاردت (1877 ــ 1904)، التي شغفت بحب الجزائر وبعشق صحرائها التي وجدت فيها ملاذها، فاعتبرتها وطنها المفقود وفي دين أهلها هويّتها الضائعة، وفي شعبها الكرم وحب الخير للآخرين، مما دفعها إلى اعتناق الإسلام بوادي سوف، كما عمدت من خلال أعمالها الأدبية وكتاباتها الصحفية وتقاريرها الحربية ومراسلاتها الإعلامية المنشورة في عديد الصحف الصادرة، آنذاك، إلى فضح السياسة العنصرية الفرنسية بالجزائر وممارساتها غير الإنسانية وأعمالها القمعية، وعملت على تحسيس المجتمع الدولي بالقضية الوطنية.
وضمن هذا الإطار، دعت إيزابيل عام 1904 ــ وقبيل وفاتها بأشهر معدودات ــ الحركة الفرنسية المناهضة لسياسة الحكم الاستعماري للتحقيق في العنف المسلّط على السكان الجزائريين بالجنوب الغربي من قِبَل الجيش الفرنسي الغازي تحت قيادة الجنرال ليوتي، مما ألّب عليها إدارة الاحتلال التي ظلت تنظر إليها بعين الرّيبة، وتتهمها بالجوسسة لمصالح أجنبية، وتحكم عليها بالطرد من الجزائر.
ولدت الكاتبة إيزابيل إبرهاردت في 17 فيفري 1877 بميران بجنيف بسويسرا، من أبٍ روسي، وقيل تركي مسلم، وأم ألمانية، درست الطب وتعلّمت اللغات: الروسية والفرنسية والألمانية والإيطالية، إلى جانب العربية التي تعلّمتها بسويسرا على يد الصحفي المصري أبي نظارة، صاحب الجريدة الساخرة الشهيرة التي حملت اسمه.
وقد تنوّعت كتاباتها بين السيرة الذاتية والرحلة والقصة والشعر والمقالة الصحفية والتقرير الحربي وجميعها كُتبت من عمق المجتمع الجزائري في ظل الليل الحالك للاحتلال الفرنسي، والنشر في عديد الصحف، على غرار (الأخبار) لفيكتور باروكان، و(لاديباش ألجيريان).
رحلتها إلى الجزائر
خلال عام 1897، غادرت إيزابيل إبرهاردت جنيف وحلّت مع والدتها بالجزائر وتحديدا بمدينة عنابة، وبعد ستة أشهر تُوفيت والدتها التي كانت قد أسلمت بعنابة وتسمّت باسم فاطمة المنوبية، ودُفنت بمقبرة المسلمين هناك، بعدها غادرت مدينة عنابة وعادت إلى تونس، وسرعان ما عادت إلى الجزائر ودخلت تيمقاد وباتنة وبسكرة التي وصلتها عبر القطار وجاورت ضريح الفاتح عقبة بن نافع الفهري، ومنها إلى تقرت، لتشمل رحلاتها فيما بعد مدن: تنّس والجزائر العاصمة وبوسعادة والهامل والمسيلة والمغير وعين الصفراء وبشار والقنادسة وبني ونّيف.. وغيرها.
وادي سوف.. ملاذ إيزابيل
وفدت هذه الكاتبة الصحفية إلى وادي سوف لأول مرة في 4 أوت 1899، ولبثت في ربوعها 15 يوما، ثم غادرتها على مضض بضغط من إدارة الاحتلال الفرنسي بالوادي، التي وصفتها بـ”العين الشرّيرة”، وعلّقت عليها في تقرير أمني بـ”إن هذه المرأة الروسية بالاسم الألماني وبالزي الرجالي (زي الفرسان) والتي تعاشر القبائل وترسم وتكتب، لاشك أنها ميتودية أو جاسوسة”، لذلك تم طردها من الوادي التي كانت آنذاك تخضع للحكم العسكري.
وفي 2 أوت 1900، حطّت رحالها للمرة الثانية بالمنطقة وبزي رجالي وباسم مستعار هو (محمود السّعدي)، خوفا من ترصّد عيون إدارة الاحتلال، حلت بإقليم الوادي على أمل الاستقرار النهائي بها لانبهارها بطبيعة المنطقة وجمال عمرانها وحسن أخلاق أهلها، وقد أقامت بمسكن شعبي بسيط، وتمكّنت من لغة الأهالي، وكتبت حينذاك: “أنا بعيدة عن العالم، بعيدة عن الحضارة ومهازلها السخيفة ونفاقها، أنا وحيدة في دار الإسلام، في الصحراء، طليقة وفي ظروف عيش جيّدة..”. وقد اشترت حصانا وبدأت رحلاتها الطويلة في صحراء سوف، تزور الزوايا وتحتكّ بشيوخها وبأعيان المنطقة، كما اعتنقت الإسلام بالزاوية القادرية بالوادي، بعدما وجدت في التصوف الإسلامي النّقي راحة روحية، وتسمّت باسم (مريم).
في هذه الأثناء تعرّفت على الرقيب سليمان هني وتزوجته وفقا للشريعة الإسلامية، وكتبت عن زوجها: “الله قد أشفق عليّ، لأنه استجاب لدعائي، وأعطاني الرفيق الأمثل الذي كنتُ دائما أرغب فيه، والذي من دونه كانت حياتي ستكون مفكّكة وحزينة”. ولم تترك فرصة للتعبير عن حبّها لوادي سوف وأهلها إلا وعبّرت عن ذلك بكل أريحية، لذلك وجدناها في أحد نصوصها تكتب: “الوادي، البلد الذي لا تُعدّ قبابه، هي البلدة الوحيدة التي أقبل العيش فيها للأبد، دائما، أريد شراء أرض صالحة للزراعة، وأجعل فيها جنانا بها بئر ونخل”. ولهذا يؤكد عديد الباحثين والكُتّاب أنّ هذه الكاتبة هي من أطلق على وادي سوف تسمية (مدينة الألف قُبّة).
لكن سعادتها لم تستمر، إذْ في يوم 29 جانفي 1901 تعرضت لحادث أليم تمثل في محاولة اغتيالها بضربة سيف أصابتها في ذراعها إصابة خطيرة ببلدة البهيمة على بعد (15 كلم) من مدينة الوادي، من قبل شاب يُسمّى (عبد الله)، بدعوى “تشبّهها بالرجال”، من خلال لباسها الذي كانت تتخفّى به عن أعين إدارة الاحتلال الفرنسي، ورغم عفوها عن الشاب المعتدي عليها إلا أن المحكمة بقسنطينة حكمت عليه بعشرين سنة سجنا بدلا من الأشغال الشاقة.
وفي رسالة مطولة وجّهتها إلى محاميها في هذا الشأن مؤكدة على عقيدتها الإسلامية، جاء فيها: “غادرتُ قسنطينة هذا الصباح والحزن يحز في نفسي لعدم تمكني من رؤية المسكين عبد الله، كما قلتُ لكم عقيدتي إسلامية بما جاء في القرآن، رسالة هذا الدين الداعي إلى الأخوّة والعدالة، أعتقد أنّني تصرفتُ كمسلمة حقيقية بعدم ادخاري أي جهد لإنقاذ عبد الله من السجن”، لكن محاولتها باءت بالفشل.
ورغم هذه الحادثة المعزولة فقد بقيت إيزابيل إبرهاردت تعشق وادي سوف ودائمة العرفان لأهلها الذين احتكّت بهم وأضحت جزءا من نسيجهم الاجتماعي، فقالت عنهم: “أنا مدينة لهؤلاء من أهل سوف الطيبين وما يتّصفون به من حنان ومودة وإخاء، غمروني به خلال استطاعتي معالجة السكان، بما لي من معرفة في الطب، من أمراض العيون المختلفة، كالرّمد، وأمراض أخرى منتشرة في الناحية، لقد وهبت نفسي لعمل الخير، وخير الإنسانية في كل مكان أتواجد به”.
ورغم مغادرتها الوادي بصفة نهائية، إلا أنها ظلت تحنّ إلى العودة إليها معبّرة عن ذلك في عديد كتاباتها ورسائلها الشخصية.
الرحلة إلى الجنوب الغربي الجزائري
في سبتمبر 1903، حلّت الكاتبة إيزابيل إبرهاردت بمدينة عين الصفراء، بولاية النعامة حاليا، إذ استأجرت منزلا متواضعا في القصر القديم بالقرب من ضريح سيدي بوتخيل، وقد تمكّنت خلال تلك الفترة من توثيق شهادات حية من قبل الجنود الفرنسيين الجرحى بمستشفى عين الصفراء بعد هزيمتهم النكراء في معركة “المنقار” التي جرت وقائعها بتاريخ 02 سبتمبر 1903 بنواحي تاغيت التي تبعد عن مقر الولاية بشار بنحو 80 كلم. وضمن هذا الإطار يؤكد بعض المؤرخين أنها تمكنت من لقاء المقاوم الشهير الشيخ بوعمامة، وأجرت معه حوارا مطوّلا، لكنه لم يُكتب له النشر لأسباب غامضة.
ثم حصلت على رخصة للسفر إلى مدينة القنادسة التي تبعد عن مقر ولاية بشار بنحو (20 كلم)، وفي رحاب زاويتها العامرة زاوية الشيخ أمحمد بن بوزيان كتبت عديد النصوص الروحية التي اتّسمت بالعمق بين شهر جويلية وأوت 1904، وخلال تواجدي بولاية بشار يوم كنتُ مديرا للمجاهدين وذوي الحقوق بها تتبّعت خطى هذه الرّحّالة الكاتبة، وكانت لي عديد اللقاءات مع شيخها المحترم لعرج محمد لعرج، وكذا مع القائم بأعمال مكتبتها العامرة الأستاذ طاهيري مبارك الذي أمدّني بوثائق ومعلومات ورسائل خطّتها يد الكاتبة إيزابيل إبرهاردت بالزاوية، وهذا أثناء إنجازي لكتابي (القنادسة وزاويتها الزيانية)، الذي صدر في نهاية عام 2018، وقد تطرقتُ بين ثناياه وبشيء من التفصيل إلى رحلتها إلى القنادسة وبشار.
ثم عادت أدراجها إلى عين الصفراء، وسرعان ما اجتاحت المنطقة فيضانات عارمة وسيول جارفة ذهبت ضحيتها هذه الكاتبة اللامعة في صباح 21 أكتوبر 1904، وعمرها آنذاك (27 عاما)، ولتدفن في مقبرة المسلمين هناك، ومازال ضريحها شاهدا إلى اليوم.
ترجمة أعمال إيزابيل
وردّا لجميلِ هذه الكاتبة التي أحبّت وادي سوف وأرّخت لها ووثّقت ظروف أهله وأوضاعهم المزرية خلال الحقبة الاستعمارية، فقد عمد واحدٌ من أبناء مدينة الألف قبة وهو الأستاذ عبد القادر ميهي إلى ترجمة الكثير من آثارها وأعمالها وطباعتها، وقد أهدانا نُسخا ورقية منها، ومن ذلك:
ــ عودة العاشق المنفي.. كتابات إيزابيل إبرهاردت عن سوف: ويتناول إقامة الكاتبة في سوف التي مكثت بها أكثر من سبعة أشهر، تعرّفت خلالهاعلى الأهالي وأحوالهم المزرية في ظل الاحتلال الفرنسي الغاشم الذي فرض على المنطقة الحكم العسكري، كما ربطت علاقات مع شيوخ الزوايا لاسيما الزاوية القادرية، وعلى رأسهم شيخ الزاوية سي الهاشمي الشريف، وهناك تعرفت على الصبايحي سليمان هني الذي تزوجته فيما بعد. وكتبت في الوادي مذكراتها وعددا من الخواطر والقصص القصيرة كان مسرحها وادي سوف، وقد طُبع الكتاب ـ الذي قدّم له الأستاذ محمد الأمين مناني – بمطبعة الوليد بالوادي عام 2006، في 194 صفحة.
– تـاعلـيث: وهي مجموعة قصصية قامت بكتابتها عبر مسارها الأدبي، وتناولت فيها بالخصوص الحياة التعيسة لبعض النساء اللواتي تعرفت عليهن في مدن الجزائر، وكانت الكاتبة ترتاد الحانات وتلتقي بمثل هذا النوع من النسوة، وكلما تعرّفت على إحداهن تطلب منها أن تروي لها قصتها لتقدّمها الكاتبة في شكل قصة قصيرة. و(تاعليث) هو اسم إحداهن، التي رفضت أن تجرفها الأحداث والظروف القاهرة نحو حياة الرذيلة ففضلت الانتحار، وقد صدرت الترجمة عن مطبعة مزوار في 143 صفحة عام 2009، وقدّم لها المثقف الأديب الأستاذ بشير خلف.
دعت إيزابيل عام 1904 ـ وقبيل وفاتها بأشهر معدودات ـ الحركة الفرنسية المناهضة لسياسة الحكم الاستعماري للتحقيق في العنف المسلّط على السكان الجزائريين بالجنوب الغربي من قِبَل الجيش الفرنسي الغازي تحت قيادة الجنرال ليوتي، مما ألّب عليها إدارة الاحتلال التي ظلت تنظر إليها بعين الرّيبة، وتتهمها بالجوسسة لمصالح أجنبية، وتحكم عليها بالطرد من الجزائر.
الطريق إلى قنادسة أو في ظلال الإسلام الدافئة: ويعدّ أشهر كتبها، وقد لقي رواجا كبيرا منذ إصداره في بداية القرن العشرين من قبل صديقها الصحفي فكتور باروكان صاحب جريدة (الأخبار). ويتناول رحلتها إلى زاوية سيدي أمحمد بن بوزيان بقصر القنادسة بولاية بشار بين شهري جويلية وأوت 1904، ووصفت مراحل ذلك السفر وإقامتها وعزلتها الروحية في القصر، وهذه النصوص هي وصف ليوميات تلك الرحلة الروحية لذلك عنونتها بذلك العنوان، الكتاب صدر في 168 صفحة عن مطبعة مزوار بوادي سوف عام 2012، وقد خصّ بتصدير للسيد محمد حامدي المدير السابق لدار الثقافة محمد الأمين العمودي بالوادي، وتقديم آخر دبّجه الدكتور نصر الدين وهابي.
على الرمل.. أثر: صدر هذا الكتاب في بادئ الأمر تحت عنوان (يومياتي) من قبل أحد المثقفين ويُدعى روني لوي دوايون، وهي يوميات إيزابيل ما بين 1900 و1903، وقد أدرجت بعض النصوص التي من شأنها تعريف القارئ عن ربط إيزابيل بين نصوصها الابداعية (خواطر، نصوص سردية وقصص) مع يومياتها التي هي أساس الكتابة لدى إيزابيل، الكتاب الذي جاء في 329 صفحة وتكفّلت بطباعته مطبعة الرمال بالوادي عام 2015.
ما بعد المنقار: وهي مجموعة من الروبورتاجات التي قامت بإنجازها الكاتبة بعد معركة المنقار، وقد انتدبها مدير جريدة (الأخبار) فكتور باروكان لتنجز مقالات حول الحالة الأمنية والاجتماعية، الكتاب طبع بدار سامي للطباعة والنشر والتوزيع بالوادي عام2022، موشّحا بتقديم للكاتب الأستاذ بشير خلف، وضم 158 صفحة.
لم تترك فرصة للتعبير عن حبّها لوادي سوف وأهلها إلا وعبّرت عن ذلك بكل أريحية، لذلك وجدناها في أحد نصوصها تكتب: “الوادي، البلد الذي لا تُعدّ قبابه، هي البلدة الوحيدة التي أقبل العيش فيها للأبد، دائما.. أريد شراء أرض صالحة للزراعة، وأجعل فيها جنانا بها بئر ونخل”. ولهذا يؤكد عديد الباحثين والكُتّاب أنّ هذه الكاتبة هي من أطلق على وادي سوف تسمية (مدينة الألف قُبّة).
حصاد الاغتراب: وهو منجز الكاتبة إيزابيل في مجال الإبداع الأدبي، ويتضمن 65 قصة وخاطرة، ألّفتها عبر مسارها الأدبي الثري وعبر تشردها الذي قادها من جينيف إلى عنابة ثم تونس ثم الجزائر التي جابتها من شرقها إلى غربها، وعاشت مع أهلها واعتنقت دينهم.. تشردها الذي جاء بها إلى سوف التي عشقتها حتى النخاع وبقيت تتذكرها إلى غاية وفاتها، وهذا الكتاب قيد الطبع.
ختاما، نأمل إعادة عقد الملتقى الوطني الذي قامت بتنظيمه دار الثقافة الشهيد محمد الأمين العمودي بالوادي لأول مرة يومي 6 و7 ماي 1998، وتوزعت محاوره حول حياة ومسيرة وآثار الكاتبة الصحفية إيزابيل إبرهاردت، ومواقفها ودفاعها المستميت عن حقوق الشعب الجزائري في وجه الجيش الفرنسي المعتدي.