-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الصدقة والحق

الصدقة والحق

خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واستفادة بلاده من مساعدة إضافية قاربت ملياري دولار، كانت للرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي الشجاعة، ليخاطب بايدن والعالم بأسره، بالقول إن ما تقدمه أمريكا لبلاده، ليس صدقة، وإنما استثمارٌ في “الأمن العالمي”، وهي مقولة تذكّرنا بما قاله رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق أولمرت، عقب حرب تموز 2006 عندما تهاطلت عليه الأموال من بلاد الغرب، فاعتبرها قطرة في البحر الذي يجب أن يغمر إسرائيل، باعتبارها تدافع عن العالم بالنفس والنفيس، وتترك النفائس للآخرين.

زيارة زيلينسكي إلى أمريكا، ومطالبته بمزيد من المليارات من بلاد الغرب، هو دليلٌ على أن أوكرانيا ليست ضحية لروسيا، وإنما هي جزءٌ بسيط من الحرب الغربية الروسية، وعندما تصبح أمريكا غير مشكورة على ما تقدِّمه من أموال لأوكرانيا، فهذا دليلٌ على أنها هي المهندسة الرئيسية للوضع الحالي الذي تعيشه أوكرانيا في حرب لا أحد يعلم كيف تنتهي، خاصة أن الحروب التي خاضتها أمريكا جميعها من فيتنام إلى العراق، بقيت مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها الجغرافية والزمنية.

هناك من مازال يؤمن بأن الحرب الإسرائيلية هي من أجل أرض محدودة في فلسطين، ويرفض أن يرفع جزائريٌّ أو لبناني أو سعودي علم فلسطين ويعتبر الأمر توسيعا لرقعة الصراع وإطالة لأمده، لكن الوقوف الدائم للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، مع الكيان الإسرائيلي في كل المجالات ومن دون حدود، هو دليلٌ على أنهم هم من زرعوه وسقوه وقلّموا أغصانه حتى امتدّت في كل الأقطار العربية والإسلامية، ولن يرضوا بأقلّ من ثمار يقطفونها من خلال تطبيع، اتضح بأنه أقرب إلى الاستعمار منه إلى توطيد علاقات، لا يوجد ما يوطّدها أصلا.

الرئيس الشاب زيلينسكي الذي كان قبل دخوله السياسة، ممثلا كوميديا، لم يعد يتردد في الخروج عن الدور المسرحي المقدَّم له من المخرجين وكتَّاب السيناريو، إلى الواقع، من خلال طلب مزيد من المال ليس برجاء أو إلحاح وإنما بكثير من العصبية، التي تبيّن بأن الرجل يطلب حقا وليس سلفة تُردّ أو صدقة، ولا يمكن لأي متابع لهذه الحرب الضروس أن يختصرها في صراع بين روسيا وجارتها أوكرانيا بدليل أن الرئيس زيلينسكي صار يهاتف رؤساء الغرب ويطلب منهم المال حالا، رغم علمه بأنهم أمدّوه بالمساعدات، وهم بين أنياب أزمة اقتصادية لم يسبق لألمانيا وفرنسا وإنجلترا وغيرها وأن عاشت مثيلا لها.

لا يشبه حال زيلينسكي وهو يغرف من أموال الغرب، حال المتسول الذي يترجى صدقات من الأهل والأقربين، وإنما جمع مستحقات على اتفاق مسبق بين أوكرانيا ودول الغرب، وربما على ورطة وجد زيلينسكي نفسه فيها، بعد أن استمع إلى نصائح هؤلاء وضمانات بأن يكونوا إلى جانبه عندما تقع الفأس على الرأس، فكان ما قاله ملخِّصا لواقع الحال، أي استثمارا للأمن العالمي وليس صدقة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!