الصهاينة لا يعتبرون من ثورة 1 نوفمبر
هناك مقولةٌ شهيرة لرئيس وزراء العدوّ الصهيوني الأسبق إسحاق شامير يقول فيها “العربُ لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا فإنهم سرعان ما ينسون”، لكن يبدو أنّ هذه المقولة تنطبق على الصهاينة أكثر من العرب؛ فلو كانوا يقرأون تاريخ الاستعمار الفرنسي الاستيطاني في الجزائر، ونهايته المؤلمة بعد 132 سنة من المجازر والتدمير والتنكيل… لتراجعوا عما يرتكبونه يوما من جرائم في غزة والضفة، ولقبلوا “حلَّ الدولتين” وإنهاء الصراع سلميًّا، وإن كان هذا الحلُّ غير منصف للفلسطينيين لأنه لا يمنحهم سوى 22 بالمائة من أراضيهم.
خلال قرن وثلث قرن تقريبًا من الاحتلال الفرنسي الاستيطاني للجزائر، لم يترك الاستعمار موبقة ولا جريمة فظيعة إلا ارتكبها، فواجه الثورات الشعبية المتواصلة ضدّه على امتداد عقودٍ عديدة بقمع جهنّمي وقتل ملايين الجزائريين بلا رحمة، وطردهم من أخصب أراضيهم ومنحها للمعمِّرين، وجوَّعهم وأفقرهم ونكّل بهم… لكنّ ذلك كلّه لم يؤدِّ إلى إخضاعهم وإخماد شعلة الثورة في نفوسهم، بل زادتهم عزيمة على تحرير بلدهم بالقوة، وبقوا يتحيّنون الفرصة حتى سنحت لهم ففجَّروا ثورة أول نوفمبر 1954 والتفّ الشعبُ حولها واحتضنها ودفع مليونا ونصف مليون شهيد في سبيلها، ولم تنفع الاستعمارَ هذه المرّة المجازرُ المهولة ولا حرق 8 آلاف قرية عن بكرة أبيها، وأجبِر أخيرا على الاعتراف باستقلال الجزائر وغادرها وهو يجرّ أذيال الخيبة والهزيمة.
اليوم تحلّ الذكرى الـ71 لانتصار هذه الثورة الشعبية العارمة التي كانت من أعظم الثورات في العصر الحديث، وهي ليست مناسبة سعيدة للجزائريين فقط، بل هي كذلك للفلسطينيين الذين ينبغي أن يستلهموا منها العِبر الضَّرورية؛ لقد كسب الجزائريون الحرب أخيرا بعد سلسلة من المعارك الخاسرة على امتداد 132 سنة من الصراع المرير مع عدوٍّ كان يُعدّ من أعظم القوى العسكرية في العالم آنذاك.. وهذا ما ينبغي أن يمنح الفلسطينيين جرعة أمل قوية حتى لا ييأسوا بعد أن خسروا الكثير من المعارك ضدّ العدو الصهيوني المدعوم أمريكيًّا وغربيًّا بأحدث الأسلحة، فسيأتي اليوم الذي ينتصرون فيه ويكسبون الحرب، وما يحدث في غزة والضفة الغربية والقدس من قمع وتنكيل وأعمال قتل وتهجير وحرق وتخريب يرتكبه الجيش والمستوطنون الصهاينة، سبقهم إليه الجنودُ والمعمِّرون الفرنسيون في الجزائر، فماذا كانت النتيجة غير الثورات الشعبية ثم الثورة التحريرية المظفرة التي طردت نصف مليون جندي ومليون معمِّر فرنسي وأوروبي إلى غير رجعة؟
في 15 أوت 2025، بثّت القناة الـ12 العبرية، تسجيلا لرئيس الاستخبارات العسكرية الصهيونية السابق، اللواء أهارون هاليفا، يدعو فيه إلى قتل 50 ألف فلسطيني ولو كانوا أطفالا ردّا على مقتل ألف صهيوني في 7 أكتوبر 2023، وقال هاليفا إنّ ذلك “ضروريٌّ ومطلوبٌ للأجيال القادمة من الفلسطينيين، فهم يحتاجون بين الحين والآخر إلى نكبة حتى يشعروا بفداحة الثمن”!
ولو كان اللواء هاليفا وبقيةُ مجرمي الحرب الصهاينة يقرأون التاريخ لعرفوا أنّ الاستعمار الفرنسي فكَّر بالطريقة ذاتها فور اندلاع مظاهرات 8 ماي 1945؛ إذ قتل 45 ألف متظاهر في أيام معدودة حتى يروِّع الجزائريين ويُرهبهم وتتناقل “الأجيالُ القادمة” بشاعة تلك المجازر فتحجم عن التفكير في الثورة على فرنسا.. لكنّ النتيجة جاءت عكسية تمامًا؛ إذ أقنعت تلك المذابحُ المهولة مناضلي الحركة الوطنية الجزائرية المُطالِبة بالاستقلال أنّ النضال السياسي قد بلغ حدوده القصوى، وأنّ الاستمرار في استجداء الاستقلال من فرنسا لا طائل منه، فبدأوا يستعدّون لتفجير الثورة المسلحة، ولم تمرّ 9 سنوات فقط، حتى فجّرها الجيلُ نفسه –وليس الأجيال القادمة بعدهم- وقادوا الجزائريين إلى تحقيق نصر تاريخي على الاستعمار، وذلك ما سيحدث حتما في فلسطين مهما طال الزمن، لأنّ الظروف تتشابه والمقدِّمات نفسها تقود إلى النتائج ذاتها، فاستجداءُ “دولةٍ فلسطينية” من الاحتلال وصل إلى طريق مسدود، وهو يتنكّر لأبسط حقوق الفلسطينيين ويعتقد أنّ القوة وحدها قادرة على إخضاعهم، تماما كما اعتقد الاستعمارُ الفرنسي من قبل، وصدق الثائرُ الفيتنامي الكبير الجنرال جياب حينما قال إنّ “الاستعمار تلميذٌ غبيّ لا يفهم إلا بتكرار الدروس”، وإن كنّا نرى الاحتلالَ الصهيوني لا يفهم حتى بتكرار الدروس.