الصورة القاتمة
جلسة اختتام الدورة الربيعية للبرلمان الجزائري، منذ يومين، تحولت إلى حرب علنية وخفية بين رئيسي البرلمان اللذين حولا الجلسة إلى منبر لتبادل التهم، واغتم السيد بن صالح الفرصة ليردّ بنرفزة على تصريحات سابقة لرئيس الغرفة السفلى أو المجلس الشعبي الوطني، عبد العزيز زياري، الذي طالب بإلغاء مجلس الأمة تماما من الوجود.
-
ومقابل ذلك، طالب بن صالح بتقويض صلاحيات المجلس الشعبي الوطني وإعطاء المزيد من الصلاحيات لمجلس الأمة أمام المجلس الشعبي الوطني الذي قال عنه إنه يضع أعضاء هيئته دائما أمام مهامّ وخيارات صعبة، إذ كثيرا ما يحيل عليها ملفات وقوانين مناقضة للدستور ولأبسط قواعد العمل البرلماني.
-
هذه المعركة لوحدها يمكن أن تعطي للملاحظ صورة واضحة عن الصورة القاتمة التي ستكون عليها نتائج الإصلاحات السياسية المعلن عنها للنظام الجزائري، إذ أن يقول السيد عبد القادر بن صالح هذا الكلام ويطالب بتقليص صلاحيات المجلس الشعبي الوطني وتقليم أظافره وتوسيع صلاحيات هيئته، وهو الذي ترأس لجنة المشاورات المتعلقة بالإصلاحات السياسية وتعديل الدستور وأعد تقريرا طويلا عريضا بذلك، فهذا يعني أن هذه الإصلاحات تسير إلى الوراء وقد تعود بالبلاد إلى مراحل سابقة من تاريخها الأسود ولا تظل فقط في مفترق الطرق الذي تقف فيه الآن، وإلا كيف يمكن لبلد مقبل على إصلاحات مثل المعلن عنها وما تتطلبه من ثورة في الحياة البرلمانية بالذات وما يفرضه ذلك من انتخابات حرة ونزيهة لإخراج برلمان قوي له طابع السلطة التشريعية الفعلية، كيف يمكن ذلك وعراب هذه الإصلاحات بالذات يطالب بإلغاء صلاحيات الغرفة السفلى من البرلمان أو قاعدة الحياة السياسية الديمقراطية ليجعل منها مجرد هيكل أكثر مما هي عليه الآن؟
-
ومن ناحية تداعيات هذه المعركة وامتداداتها فإنها تشفع للرئيس بوتفليقة قراره غير المعلن في تجاوز البرلمان الحالي والقفز عليه في التعديلات الدستورية المنتظرة وإحالة هذه المهمة على البرلمان المقبل الذي سينبثق عن انتخابات 2012 التشريعية، خاصة وأنه يخشى أن يطاله هذه التشرذم البرلماني وتصفية الحسابات بين الغرفتين وينعكس بالسلب على الإصلاحات وعلى صورته ومصالحه الشخصية، هذا مع أنه ليس هناك في الأفق أو في سير الإصلاحات ما يثبت أن البرلمان القادم سينتخب بشكل سوي بعيدا عن الحسابات وترتيب النتائج أو توزيع الكوطات على الأحزاب والشخصيات والجماعات وفق الولاءات والتحالفات والتفاني في خدمة النظام القائم كما كان الأمر دائما بالنسبة للبرلمان في الجزائر. وهذا ما يمكن أن يجد تفسيره في التأخر الملحوظ عن إعداد أو مراجعة قانون الانتخابات والذي لا يبدو أنه سيكون جاهزا حتى للتشريعيات القادمة، اللهم إلا إذا كانت ثمة نية لدى الرئيس في التشريع له بمرسوم رئاسي في غياب النواب خلال عطلة الصيف الطويلة.
-
وفي انتظار ما سيولد عن هذه المعارك والارهاصات والترقيات، يستمر النظام في الاستثمار في مشاكل الجزائر والجزائريين ورهن مستقبلهم بتغذية السياسات الهدامة والفرقة بين مؤسسات الدولة وفئات المجتمع وترضية مجموعات أو جماعات على حساب أخرى كما جرت العادة دائما.