الصوفية.. مهام جديدة في مواجهة تشويه الإسلام
ماذا تستطيع أن تفعل الصوفية في الرد على التشويه الرهيب الذي يطال رسالة الإسلام؟ ما هي التحديات الملقاة على الصوفية والتي تشمل مئات ملايين المسلمين في شتى بلاد الله؟ وما هي الإمكانات التي تستطيع الصوفية تشغيلها لمخاطبة العقل الآخر والرأي العام؟
ثم هل تستطيع الصوفية أن تتجاوز مرحلة التحنيط للعقل الإسلامي والشذوذ في السلوك الذي تنهجه كثيرٌ من جماعات تنتسب إلى الإسلام فيما هي مغرقة في الدم وفتاوى القتل والتدمير؟ وهل تستطيع الصوفية أن تقدِّم بمنهجها الأخلاقي والتربوي ما يمكن أن يحقق التحرر من مناخ الفتاوى المخبولة عن زواج المسيار وحرمة الأكل بالملاعق وحرمة سياقة المرأة للسيارة والانشغال بمسائل يعد تكرار لفظها من مخارم المروءة؟
في لحظة نشأتها كتيار اجتماعي سياسي خاضت الصوفية غمار النهضة والتجديد في الفكر الإسلامي والسلوك الإسلامي، فأعطت المسيرة الإسلامية دفعا إضافيا ونفخت بروحها في جسد الأمة، فكانت الانتصارات العظيمة التي تُوِّجت بتحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي، حيث كان الصوفيون يرفعون الرايات من كل جهة لاسيما رايات الغوث شعيب سيدي بومدين الجزائري الذي اندفع في معركة تحرير القدس بما يقارب ربع جيش صلاح الدين الأيوبي.. وفي الجزائر أيضا حققت الصوفية إنجاز دولة الموحدين التي كان لشروحات وأفكار الإمام أبو حامد الغزالي الدور الرئيس في نشوئها.. وبعد ذلك كان للحركة الصوفية الدور البارز والكامل في مواجهة الاستعمار الفرنسي وخاضت الحركات الصوفية الجهاد الصعب على مدار عشرات السنين وأظهرت جلدا قويا وعطاء متميزا تميز على رأسها الأمير عبد القادر وبوعمامة وبوبغلة والشيخ حداد وبوعبد الله وسواهم كثير.. كما كان لها في السودان دورٌ بارز في مواجهة الاستعمار الإنجليزي وأبدت مقاومة نوعية، والأمر نفسه يمكن ملاحظته في القوقاز والإمام شامل باسييف في القرن التاسع عشر عندما واجه الغزو الروسي ببسالة نادرة.. كما قاومت الحركات الصوفية بشجاعة وإقدام الاستعمار الايطالي لليبيا، وفي فلسطين نهض الشيخ عز الدين القسام تيجاني الطريقة بثورة نوعية في مواجهة الاستعمار البريطاني في 1935، كما قامت الحركة النورسية الصوفية في تركيا بمواجهة علْمنة المجتمع وتمييعه حتى استطاعت محاصرة التيار العلماني الأتاتوركي وأعادت تركيا من جديد إلى حضن الأمة، والأمر متكرر في كل ديار العرب والإسلام حيث ارتفعت رايات الصوفيين في جهاد باسل لرد الغزو الأجنبي…
هل تستطيع الصوفية أن تقدِّم بمنهجها الأخلاقي والتربوي ما يمكن أن يحقق التحرّر من مناخ الفتاوى المخبولة عن زواج المسيار وحرمة الأكل بالملاعق وحرمة سياقة المرأة للسيارة والانشغال بمسائل يعد تكرار لفظها من مخارم المروءة؟
وبجانب دورها الجهادي ضد الغزاة الأجانب، كان لها دور كبير في نشر الإسلام في إفريقيا وآسيا؛ إذ أصبحت شعوبٌ بكاملها منخرطة في الدعوة الصوفية، وقد ترسخ الإسلام حيث وصلت الصوفية، ولم تشهد المناطق التي وصلتها الصوفية أيّ ردة عن الإسلام، وبهذا كان لها في القرون المتأخرة دورٌ اجتماعي وسياسي جهادي متميز بل لعلها هي من قادت كفاح الأمة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بالإضافة لما كان لها في الدور نفسه في القرنين الحادي عشر والثاني عشر في المغرب والمشرق سواء.
إلا أن الهزائم العسكرية التي لحقت بالحركات الصوفية في أكثر من مكان ألحقت أذى نفسيا كبيرا بأتباعها وشيوخها الذين وجدوا في العزلة والنأي عن المواجهات سبيلا لاستمرارهم في التواجد في مكوّنات الأمة.. ومع الحرص على الحفاظ على التواجد انحرف السبيل ببعضها عن ثوابت الموقف فحصلت لبعضها انحرافات سياسية أو انحرافات عقائدية عندما تمت المبالغة في بعض المسائل التي تقود التأويلات فيها إلى ما لا يحمد عقباه..
هنا وُلدت الحركات السلفية في عملية تصحيح لما حل بالواقع الإسلامي من انتشار للبدع ومظاهر الشرك، وتنوّعت المدارس السلفية فمنها المعتدِل مثل سلفية محمد عبده ورشيد رضا وابن باديس والثعالبي وطاهر بن عاشور… ومنها المتطرِّف القاسي والحاد بطبعه الذي حوَّل المسألة كلها إلى شكليات وغرق في تفسيق الناس وتكفيرهم وتبديعهم، وتوسّع في التحريم والاتهامات في العقيدة والدين لمن يخالف.
إلا أن الحركات السلفية في شقها المتشدّد والمنهمك في عمليات التصحيح للسلوك والعقائد لم تواجه عدوا خارجيا لأن معركتها في الداخل الإسلامي ضد البدع والشركيات والقبوريات والتماثيل والغناء، وفي معركتها الداخلية المحتدمة أصبح عنوان البدعة والحرام يطال كل ما اعتقده السلفيون فاقد السند من قرآن أو حديث أو قول لأحد أقطاب السلفية من التابعين وتابعيهم فحرَّموا التصوير والموسيقى والسينما، وحرَّم بعضهم تصرُّفات وممارسات بطريقة مفرطة في التشدّد أصبحت مثار التندّر والاستغراب.
الآن أصبحت صورة الإسلاميين والمسلمين بالغة الحرج، بل طال الحرج الإسلام ذاته لاسيما وسيلُ الإعلام الغربي ومنظرو العنصرية الغربية يروِّجون لها من كل صوب مقدِّمين تحليلات تصنع الإسلاموفوبيا لتضع حاجزا بين الغربيين والإسلام أو على الأقل لتحرضهم ضد الإسلام.. وهم لا يخترعون الصورة بل هي موزَّعة عبر وسائل الإعلام الحديثة حيث هانت الروح البشرية واستبيحت كرامتها وحقوقها.
تنشيط الحركات الصوفية عملٌ استراتيجي لصالح الأمة، في الحين الذي ينبغي فيه أن تلتفت هذه الحركات على الانفتاح على وسائل العصر وعلوم العصر وتجدِّد نفسها بما يجعلها في مستوى التحديات المطروحة، وهي تمتلك أن تساهم في الرد عن الإسلام ما يلقيه في ساحته المتنطِّعون والإعلام الغربي.
الآن أصبح لابد من نهوض المسلمين من خلال جمعياتهم وحركاتهم المعتدِلة وإعلامهم إلى إظهار سماحة الإسلام ورحمته وحرصه على النفس البشرية وكرامتها كما هو على حقيقته؛ حيث تخضع كل الأوامر والتوجيهات إلى العنوان الأبرز المتمثل في قوله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
وهنا يأتي دورُ الحركات الصوفية المعتدلة التي تنهج أسلوب التربية الأخلاقية والاعتدال في السلوك.. وهي بما لها من رصيد تجربة واتساع رقعة الأتباع قادرة أن تقدِّم الصورة الأبهى والأجمل عن الإنسان المسالم الكريم المتعالي عن الأحقاد والشرور.. كما أنها بهذا الحال تساهم مساهمة حقيقية في إنجاز الاستقرار والأمن في البلاد وتعميق الأخلاق والإسهام في التربية الحسنة للناشئة.. كما أنها تمنح بلداننا العربية عمقا إفريقيا حقيقيا في مواجهة الاختراقات الصهيونية والغربية للجوار العربي.
إن تنشيط الحركات الصوفية عملٌ استراتيجي لصالح الأمة، في الحين الذي ينبغي فيه أن تلتفت هذه الحركات على الانفتاح على وسائل العصر وعلوم العصر وتجدِّد نفسها بما يجعلها في مستوى التحديات المطروحة، وهي تمتلك أن تساهم في الرد عن الإسلام ما يلقيه في ساحته المتنطِّعون والإعلام الغربي.
إنها مهمات جديدة منتظر القيام بها من قبل الحركات الصوفية في بلداننا العربية والإسلامية للإسهام في صنع الأمن والسلام والاستقرار والسماحة والخلق الإسلامي.. تولانا الله برحمته.