-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الصين وسنغافورة.. سكن بالفائض (1)

سيف الدين قداش
  • 975
  • 0
الصين وسنغافورة.. سكن بالفائض (1)

يمثّل نموذجَا الصين وسنغافورة مفارقة اقتصادية حديثة في العالم المعاصر، إذ إنّهما يجسّدان طرفَي النقيض من ناحية الحجم الجغرافي والكثافة السكانية، ومع ذلك نجحا في تحقيق تحوّلات كبرى في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدّمتها قطاع السكن.

تجارب حية تعيد تعريف سياسات السكن
جاء اختيار النموذجين الصيني والسنغافوري للمقارنة حول إحدى أبرز معضلات المجتمعات الحديثة، والمتمثّلة في ملف السكن، استنادا إلى قراءة فاحصة للتناقض الجوهري بين البلدين؛ فالصين تواجه تحدِّيا هائلا في إدارة عدد سكانها الضخم، بينما تتميز سنغافورة بصغر مساحتها الجغرافية وانعدام الموارد الطبيعية على أراضيها.
وعلى الرغم من هذه الفوارق، فقد نجحت الصين في تنظيم وتنسيق شؤون سكانها بكفاءة مذهلة، بالتوازي مع تحقيق تحوّل اقتصادي واجتماعي عميق، يقترب في بعض مظاهره من النموذج الرأسمالي، أما سنغافورة، فقد حوّلت ضيق مساحتها وندرة مواردها إلى انتصار إنساني واقتصادي كبير، في بلد يُعرف بارتفاع أسعار العقار، إذ ضمنت الدولة السكن اللائق لكافة شرائح المجتمع، ضمن منظومة رعاية اجتماعية لا تُغفل أحدا، وتنسجم مع مستوى التقدّم الذي بلغته البلاد.
لقد نجحت سنغافورة، الدولة المدينة التي تمتدّ على مساحة 735.6 كيلومتر مربع فقط، في تلبية ما يزيد عن 90.8 بالمائة من حاجات السكن لشعبها بصيغة التمليك، وفق بيانات عام 2024. ويُقدَّر عدد سكانها بنحو 6.04 مليون نسمة، أي ما يعادل نحو 0.075 بالمائة من سكان العالم، في بلد صغير جغرافيًّا، لكنه كبير بإنجازاته.
وقد تمكّنت سنغافورة، بشكل مميز وفعّال، من توفير السكن لكافة شرائح مواطنيها، بما في ذلك الشباب المقبلين على الزواج، من خلال وحدات سكنية جاهزة ومدعومة، رغم الارتفاع اللافت في أسعار العقار، ما جعل منها نموذجا عالميا في إدارة أحد أعقد الملفات الاجتماعية والاقتصادية.

شكّل التحوّل الاقتصادي الكبير في الصين منعرجا حاسما في تنامي التمدّن وحركة البناء والتشييد، إذ شهدت البلاد، قبل عام 2010، وتيرة سنوية مكّنتها من توفير مساكن لنحو 14 مليون صيني سنويا، أي ما يعادل 1 بالمائة من السكان، وقد ارتفعت هذه الوتيرة لاحقا إلى نحو 1.9 بالمائة سنويا، ما يعني توفير مساكن لنحو 26 مليون صيني في كل سنة، معظمهم من المواطنين المنتقلين من الأرياف إلى المدن.

في السياق ذاته، شكّل التحوّل الاقتصادي الكبير في الصين منعرجا حاسما في تنامي التمدّن وحركة البناء والتشييد، إذ شهدت البلاد، قبل عام 2010، وتيرة سنوية مكّنتها من توفير مساكن لنحو 14 مليون صيني سنويا، أي ما يعادل 1 بالمائة من السكان، وقد ارتفعت هذه الوتيرة لاحقا إلى نحو 1.9 بالمائة سنويا، ما يعني توفير مساكن لنحو 26 مليون صيني في كل سنة، معظمهم من المواطنين المنتقلين من الأرياف إلى المدن، ضمن موجة التحوّل الحضري المتسارع.
وقد ساهم هذا التوسُّع السكني في إدماج ملايين السكان في النمط الاقتصادي الجديد للبلاد، الذي أسَّسه مشروع “الإصلاح والانفتاح” لقائد النهضة الصينية المعاصرة دينغ شياو بينغ، والذي أرسى دعائم اقتصاد السوق الاشتراكي بخصائص صينية.
وبحسب بيانات رسمية أوردتها وكالة الأنباء الصينية “شينخوا” في مايو 2021، بلغ عدد سكان الصين آنذاك نحو 1.41 مليار نسمة، أي ما يمثل نحو 18 بالمائة من سكان العالم، موزَّعين على مساحة جغرافية شاسعة تقارب 9.6 مليون كيلومتر مربع. وتشير البيانات الرسمية لعام 2024 إلى أن عدد السكان بلغ نحو 1.408 مليار نسمة، مع تسجيل تباطؤ في النمو الديمغرافي، يقابله تسارع ملحوظ في وتيرة التحضّر وتحسين نوعية السكن في المدن الكبرى.

65 مليون سكن شاغر
تُعدّ مشكلة السَّكن والحصول على منزل أو شقة مناسبة هاجسا عالميا متزايدا، غير أن الوضع في الصين أكبر دولة من ناحية عدد السكان يتّسم بخصوصية لافتة، فبفضل طفرة عمرانية ضخمة قادها القطاع الخاصّ، أنشأت الصِّين منذ عام 2006 أكثر من خمسين مدينة جديدة في مختلف أرجاء البلاد، ضمن ما بات يُعرف إعلاميًّا بـ”مدن الأشباح” وهو توصيفٌ يشير إلى قلّة الكثافة السكانية في مراحلها الأولى.
أسفرت الطفرة عن نحو 60 إلى 65 مليون وحدة سكنية شاغرة حتى 2024 وفق بلومبرغ، فيما تُقدَّر وول ستريت جورنال أنَّ العدد قد يبلغ 90 مليون وحدة شاغرة، وهو رقم يعكس الفائض الكبير في العرض العقاري مقارنة بالطلب الفعلي في بعض المناطق، لكن هذه الوحدات لن تظل مهجورة إلى الأبد، إذ بدأت العديد من هذه المدن في استقبال السكان تدريجيا، مدفوعة بتوسّع شبكات النقل، وبروز مناطق صناعية وتجارية جديدة، واتساع نطاق التحضّر في الصين المعاصرة.

رؤية جديدة في إصلاح المدن
بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، وبفعل المبادئ الاشتراكية المستلهَمة من الفكر الشيوعي، لم يكن المواطن الصيني آنذاك، الذي لم تتجاوز نسبة سكان المدن حينها 10.6 بالمائة من إجمالي السكان، يفكر في امتلاك بيت.
لقد كانت الملكية الخاصة للمساكن غير مسموح بها قانونا، لأن الدولة كانت تمتلك جميع وسائل الإنتاج والعقار، وفقا للمبدأ القائل إن “كل شيء مملوك للشعب”، وحتى لو فُتح بابٌ التملك، لم يكن أغلب المواطنين يمتلكون الإمكانات المالية التي تسمح لهم بشراء عقار، وفي المقابل، كان العاملون في أجهزة الدولة والقطاع العام يحصلون على مساكن من جهة العمل، تُمنح لهم بإيجار رمزي في إطار ما سُمّي “توزيع السكن وفق نظام العمل”.
في تلك المرحلة، طرح الرئيس ماو تسي تونغ رؤية جديدة لبناء المدن، تمثلت في بذل جهود كبرى لتعلّم كيفية تخطيط المدن وإدارتها في ظل نموذج اشتراكي مستقلّ، ذلك أن أغلب المدن الصينية آنذاك والتي ورثتها الدولة عن العهد الإمبراطوري الإقطاعي كانت ذات طابع استهلاكي، تفتقر إلى القدرة الإنتاجية، وتعاني من تخلف شديد في البنية التحتية، والصناعات، والمعمار، ومرافق النقل والخدمات.

يُجيب “في الواقع، الصين من الدول القليلة التي يستطيع فيها خريجو الكليات، في منتصف العشرينات، أن يفكروا جديا في امتلاك منزل، ويمكن لأي فتاة أن تشترط علنا امتلاك شقة كشرط للزواج وهو أمرٌ غير شائع في الغرب، ففي سويسرا، تبلغ نسبة تملك السكن 36 بالمائة فقط، وغالبية الأزواج يعيشون في بيوت للإيجار حتى الثلاثين من العمر أو أكثر، فيما الطلب على السكن في الصين يعكس سرعة لحاقها بالدول المتقدمة، بل وتفوّقها في بعض المجالات”.

وقد أطلقت الصين الحديثة، في سياق هذا التحول، سلسلة إصلاحات كبرى هدفت إلى تزويد المدن بالمرافق الأساسية، وتحويلها من كيانات استهلاكية راكدة إلى مراكز إنتاج ديناميكية، وبُني عددٌ من المدن الصناعية الكبرى في هذا السياق، مما مهد لاحقا لانطلاقة اقتصادية ضخمة وضعت الصين على طريق التحوّل الحضري والتنموي.

عهد التحوّل الكبير
مع نهاية الحقبة الماوية، دخلت الصين منذ ثمانينيات القرن الماضي مرحلة “الإصلاح والانفتاح”، وسط فقر واسع وتراجع في الخدمات الاجتماعية. وفي عام 1998، ألغت الحكومة نظام توزيع المساكن على العاملين، وأصبح على المواطن أن يتدبّر قضية مسكنه عبر الشراء أو الإيجار بأسعار السوق، مقابل تقديم إعانات سكنية محدودة، إذ اتبعت الصين سياسة تحوّل حضري بخصائص صينية، نظّمت العلاقة بين الدولة والسوق، وأعادت هيكلة نظام تسجيل السكان وإدارة الأراضي، في إطار بناء “مدن ذكية” وإصلاح الفضاء العمراني.
هذه التحوّلات، مع الطفرة الاقتصادية، غذّت رغبة الصينيين في التملك، لترتفع نسبة التملك الفردي في المدن إلى 82 بالمائة، وفق وكالة “شينخوا”، ورافق ذلك ارتفاعٌ حاد في أسعار العقارات، خصوصا في بكين وشنغهاي وقوانغتشو، إذ بلغ متوسط سعر المتر المربع في بكين نحو 4,500 دولار (أي ما يعادل تقريبا 697,500 دينار جزائري)، بينما وصل المعدل الوطني إلى نحو 1,400 دولار (ما يعادل تقريبا 217,000 دينار جزائري) حتى نهاية 2024، بحسب بيانات المكتب الصيني للإحصاء.
وفي ظل هذا الغلاء، برزت مبادرات بديلة مثل “البناء الجماعي” عبر تعاونيات عقارية، تشتري الأرض وتُشيِّد منازل بأسعار أقل من السوق، وبمواصفات يختارها المساهمون أنفسهم.

نموٌّ متسارع للتمدين
شهدت الصين تحوّلا حضريا هائلا خلال العقود الماضية؛ فبينما لم تتجاوز نسبة سكان المدن 10.6 بالمائة عام 1949، مقابل نحو 90 بالمائة من السكان في الأرياف، ارتفعت النسبة تدريجيًّا إلى 17.92 بالمائة في عام 1978، غير أن القفزة الكبرى جاءت خلال الأربعين سنة التالية، إذ بلغ معدل التمدين 59.58 بالمائة سنة 2018، أي ما يعادل نحو 800 مليون نسمة، بحسب ليو باو كوي، الباحث المساعد في معهد التخطيط المكاني والاقتصاد الإقليمي التابع للجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، وفق ما نقله موقع “الصين اليوم”.
وقد سجّلت البلاد خلال تلك الفترة معدل تمدين سنوي يقدّر بـ1 بالمائة من إجمالي السكان، ارتفع إلى 1.9 بالمائة في مطلع 2010، وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن نسبة سكان المدن قد تصل إلى 75 بالمائة من مجموع سكان الصين بحلول عام 2030، وهو ما يعكس ديناميكية غير مسبوقة في التوسع الحضري على مستوى عالمي.
في هذا السياق، يتناول البروفيسور تشانغ ويوي الذي كان مقرّبا من قائد الإصلاح والانفتاح دينغ شياو بينغ في كتابه “الزلزال الصيني.. نهضة دولة متحضّرة”، قدرة الصين على توفير السكن لشعبها رغم تحديات التحضّر السريع، ويطرح تساؤلا حاسما “هل يمكن اعتبار نهضة الصين حقيقية إذا كانت أسعار السكن مرتفعة إلى حد لا يستطيع معه خريجو الجامعات شراء شقة أو تأسيس بيت زوجي؟”
ثم يُجيب “في الواقع، الصين من الدول القليلة التي يستطيع فيها خريجو الكليات، في منتصف العشرينات، أن يفكروا جديا في امتلاك منزل، ويمكن لأي فتاة أن تشترط علنا امتلاك شقة كشرط للزواج وهو أمرٌ غير شائع في الغرب، ففي سويسرا، تبلغ نسبة تملك السكن 36 بالمائة فقط، وغالبية الأزواج يعيشون في بيوت للإيجار حتى الثلاثين من العمر أو أكثر، فيما الطلب على السكن في الصين يعكس سرعة لحاقها بالدول المتقدمة، بل وتفوّقها في بعض المجالات”.

السكن للجميع
تسير الصين في تنفيذ رؤية إستراتيجية شاملة لتوفير “السكن للجميع”، تستهدف تنظيم التوسع الحضري السريع واستيعاب تدفق السكان من الأرياف إلى المدن، ووفق ما نشرته صحيفة الشعب الصينية، تمكّنت الحكومة حتى نهاية عام 2019 من نقل 62 مليون أسرة من مساكن متهالكة إلى أخرى حديثة وآمنة، بدعم مباشر من الدولة.

 في عام 2020، أطلقت الحكومة مشروعا لتجديد مساكن 7 ملايين أسرة في القرى والبلدات، ضمن خطة لإعادة تأهيل المجمَّعات الحضرية القديمة التي يُتوقّع أن تشمل مئات الملايين من السكان مستقبلا، كما استفاد أكثر من 38 مليون شخص محتاج من مساكن عامة للإيجار، فيما حصل نحو 22 مليونا على إعانات لتأجير السكن، ما ساهم في التخفيف من أزمة السكن لدى العمال الجدد والوافدين من الأرياف.

وفي عام 2020، أطلقت الحكومة مشروعا لتجديد مساكن 7 ملايين أسرة في القرى والبلدات، ضمن خطة لإعادة تأهيل المجمَّعات الحضرية القديمة التي يُتوقّع أن تشمل مئات الملايين من السكان مستقبلا، كما استفاد أكثر من 38 مليون شخص محتاج من مساكن عامة للإيجار، فيما حصل نحو 22 مليونا على إعانات لتأجير السكن، ما ساهم في التخفيف من أزمة السكن لدى العمال الجدد والوافدين من الأرياف.
وقد بلغت نسبة تمليك المساكن رسميًّا نحو 82 بالمائة حتى عام 2024، حسب بيانات وكالة شينخوا، وهي من أعلى المعدلات في العالم، لكن دراسات مستقلة منشورة في Europe PMC وNCBI تُشير إلى أن معدل التملك الفعلي قد يصل إلى 90 إلى 96 بالمائة، خاصة عند احتساب ملكيات الأسر في المناطق الريفية أو امتلاك أكثر من عقار، ما يجعل من الصين نموذجا فريدا في الدمج بين العدالة الاجتماعية وآليات السوق العقارية.
ومنذ انطلاقتها الجديدة، أدركت الصين أهمية بناء نمط عمراني حديث ضمن ما يُعرف بـ”الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”، متجنّبة اختلالات الدول النامية في التخطيط الحضري، ومستفيدة من دروس التجارب الكبرى كالاتحاد السوفياتي، والولايات المتحدة، واليابان، وبريطانيا، وقد نجحت الصين في تلبية الطلب السكني المتسارع، ووفّرت فائضا معتبرا، مع ما يُقدّر بـ60 إلى 65 مليون وحدة سكنية شاغرة حتى عام 2024 وفق بلومبرغ، بينما ترفع وول ستريت جورنال الرقم إلى نحو 90 مليون وحدة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!